الخميس، 23 يوليو 2015

فردوسُ العُمر


" كيفَ يعوّض باب من أبوابِ الجنّة ينغلقُ على وجوهنا ؟ "

سؤالها لي كانَ صفعةً على وجهي في محاولةِ بائسةِ للمواساة ، و لأني أدركُ يقيناً معنى فقدِ الجدّات ، معنىً شعوريٍّ عميق مضى على الإحساسِ به أعواماً و أعوام .

حينَ فقدتُ جدّتي أدركتُ أنني فقدتُ شيئاً عظيماً في هذا العالم ، أدركتُ حقاً أنني في تلك اللحظةُ بلا جدّة ، فثارَ من جوفي ألفَ دمعةٍ و دمعة .

كنتُ أدركُ يقيناً وأنا لم أتجاوز الحادي عشرة من عمري أن ذاك الكفن الأبيض الموضوع في وسطِ صالةَ منزلِ عمي ينتمي لجدّتي ، كنتُ أتأمل بكاءُ عماتي حولَ ذاك الجسدِ الطاهرِ النائم ، نائمٌ بسلامٍ نومٍ أبديّ ، و كنتُ أبكي حينها حينما طُلبَ مني الصّعود إلى الطابقِ العلوي ، رُبما لإدراكهم أن ذاك المَشهدُ سينطبع في ذاكرتي إنطباعاً أبديّ .

أتذكرُ حينما كنا نحاولُ مشاهدة ذاك الجثمان خلسة وهو ياخذ ، وكان ذاك الوَداعُ الأبديّ لجدتي التي رَحلت ، وعلى روحها ألفَ غصنٍ من سلام ، وطهرُ الياسمين وكلّ الحبّ و الرحماتِ من فيضِ دعواتٍ لا تفارقها أبداً .

جدّتي تلكَ التي رحلت مُبكراً لا أتذكرُ من تفاصيلها الكثير ، في الواقع أنني لا أذكرُ سوى جثمانها المغُطى بالأبيض ، لا أذكرُ تماماً كلّ ما يذكروه من مواقف ، أو أن بعض المشاهدِ مشوشّة حين تطرأ على خاطري .

جدّتي رَحلت وذهبت معها الحكايا والخرافات ، ومزاح الجدّات ، وهدايا الجدّات ودلالهن ، ذهبت معها القصص و النصائح وكلّ التوبيخات و العقوبات ، رحلَ معها كلّ ما هو متعلقٌ بالجدّات لا غيرهن ، حزنٌ جميلٌ على ذاك الفقدِ وصبرٌ جميل .

جدّتي الأخرى التي كانت على فراشِ المرض تشكو وجعاً أصابها كنتُ أذكرها ، و أذكرها حينما قالت لي " لا تنامي وأنتِ تبكين ، سترافقكِ لعنةُ الحزنِ طوال حياتكِ " ، جدّتي تلكَ اللعنةُ بفقدكِ أظنها أصبحت جزءاً مني .

رحيلها لم يَكن مفاجئاً الأمر كان متوقعاً لكنّ رنين الهاتفِ في منتصفِ الليل وأبي نائم ، أدركنا يقيناً أن ذاك الخبرَ يصلنا بطريقةٍ أو بأخرى و إنه لجارح ، اختي تجيب على الهاتف " ماتت! " ومات كلّ الشعور والإحساس ، رَحلت جدتي الأخرى .

حاولتُ تلكَ الليلة أن أمثّل البكاء أو أحاولُ أن تغرورقُ عيني بالدمعِ لكنِّ لاحقاً أدركتُ أني ملجمة ! وأن جدتي الأخرى رحلت دون عودة ، و أن جثمانها سيوارى دونَ أن أراهُ مكفناً بالأبيض ، أو أني أرى ذبولُ وجهها الطاهرِ قبل رحيلها ، أدركتُ حقاً أنها رحلت ، وأني تلكَ الليلة نمتُ بحزنٍ عميق .

مرّت أيامُ العزاءِ بحزنٍ شديد جافّ الشّعور حتى احتضنتني خالتي وهي تردد " لم يبقَ لنا شيئ " أظن أن خالتي أدركت يقيناً أن لي ولها لم يبقَ شيئاً من رائحةِ جدّتي ، و أن تحاولُ أن تخفف من ذاك الحزن المتجمد فينا حتى اجهشتُ بالبكاء " عمتي لقد رحلت جدتي " كنتُ اهذي لها بصوتِ طفلةٍ أدركت الموتَ ثلاثاً حتى تلكَ اللحظة وهي تقولُ لي " سأكون لكِ جدّة " .

عمتي الآن هيَ جدّة الجميع لكنّ الأمر ليسَ بتلكَ السّهولة هو لا يبرئ الجرحَ ولا يخفي الوجع ، الأمرَ خانقٌ في كلّ مرةٍ تذكرُ فيهِ جدّة .

رحلَ لفظُ جدّتي منذ أعوام و رحلَ معها كلّ الحكايا وكلّ شيء ، لم يبقَ من روائح جداتي سوى أبنائهن ، وفي كلّ احتياجٍ يصبحُ الأمرُ أقسى و الصبرُ على الفراقِ أمر ، الإحتياجُ لجدّة أشبهُ باحتياجنا للماءِ دونَ إرادة ، أكادُ أشعرُ اننا أشجارُ تسقى بحضنِ جدةٍ إن رحلت تذبلُ وريقةً وريقة ، ما إن أثمرتَ حتى ذبلت إحتياجاً حتى تموت .

الأمر يكادُ يفتكَ بي مع رحيلِ أيّ جدة و إن كنتُ لا أعرفها فالأمرُ موجعٌ كما هو قاتلٌ لأحفادها ، فعلاُ كانَ سؤالها " كيفَ تعوّض أبواب الجنّة " ، وأعلمُ أنني لا أملكُ أية إجابةٍ سوى الدعاء لكنّها تفتح باباً للصبر سيوصلنا بإذنه للجنّة حتى نجتمع بها .

صحوتُ هذا اليوم على حلمٍ فيه جدّتي التي لم أرها منذ رحيلها سوى في صورٍ مبعثرة ، صحوتُ لأجدَ اختي تكتب في تلك المجموعة " لا زال صوت جدتي يترددُ في أذني وهي تردد هذه الكلمات " ، ما أعجبَ اليوم !

اليوم شعرتُ أن أمي تشابهُ إلى حدٍ ما في ملامحها لجدّتي ، الأمر الذي لم ألحظه من قبل ولا أظن أن أحداً سيلاحق ذاك الشبه الذي ما إن تحدّثتُ فيه حتى ظنّ الجميع أنني حمقاء ، و اليوم وصلَ لي خبرَ تلكَ التي تعيشُ حياتي قبل عامين برحيلِ جدّتها !

آه .. أهوَ مقدرٌ أن نعيش ذاكَ الوجعَ كلانا ، أن نفقدَ الجدّات كلانا ، رُحماكَ خالقي اجعل حزنها برداً وسلاماً لقلبها ، اجعلهُ صبرٌ جميل يأخذها إلى جنّةِ المأوى .


إن القلبَ ليحزن و إن العين لتدمع وإنا على فراقكِ يا جدّتي لمحزنون ، روحٌ وريحانٌ وجنّة نعيم لجدّاتي وجدّات المسلمين يا الله . 

السبت، 11 يوليو 2015

طُهر أُمنية


كانَ لديّ حُلماً ذاتَ يوم أن أكون طبيبة ، وكان والدي لا يُناديني إلا بالطبيبة ، حتى قررتُ فجأة أن أدرس العلوم السياسيّة ، تعلّقتُ بها وتمنيتُ دراستها حتى أخبروني أنه من المُحال أن أدرس تخصص متعلق بالسِياسة .

حاولَ والدي إقناعي بالدراسة في كلية التربية ، كان قرار اختياري للتخصص الذي أدرسه تخبطاً كبيراً بالنسبةِ لي ، في سنتي الأخيرة في المدرسة كلّ يوم أجولُ في تخصصٍ أقولُ أنني سأدرسه رغمَ أني طوال حياتي أردد أني سأدرس الطبّ او متعلقاته ومع ذلك كنتُ في حيرة ، وكل طالبٍ في الثانوية يدركُ يقيناً معنى التخبّط في ألفَ تخصصٍ وتخصص وفي حيرةٍ من أمره .

حينَ حزمتُ قراري بدراسةِ تخصصٍ متعلقٍ بالطبّ لكنَ ليسَ الطبّ نفسه اتخذتُ من المُختبراتِ الطبيّة حلماً لكنِّي لم أُقبل فيه ، ولم يؤكد لي أحد أني قادرة على تغيير تخصصي إلى المُختبرات الطبيّة ، فكما يقولُ الجميع أنه من بين ما يقارب المئة طلب قد يُقبل واحد أو اثنين أو لا أحد .

بعد عامٍ من الجهادِ لأجل ذاك الحُلم كنتُ و بكلّ فخر الوحيدة التي قُبلت في التخصصِ الذي حلمتُ به ، والذي كان يكبرُ داخلي كلّ يوم مجداً أستفيق به ، كنت قد رفضتُ فكرة دراسة أي تخصص آخر وكان الحلمُ يكبر داخلي وبتوفيقٍ من اللهِ أنهيتُ عاميَ الأول في دراسة المُختبرات الطبيّة .

عموماً هذا ليسَ ما كنتُ أنوي التحدّثُ عنه فلم أأسف يوماً على حزم قراري بتخصصٍ متعلّق من الطبِّ ولم أندم حتى اللحظةُ التي أدركتُ فيها أنني من القلةِ التي يدركونُ تماماً بوجعِ حبيبِ القلبِ وهو موضوعٌ بينَ الأجهزة والوجع في غرفةِ العناية المركزة .

ذاكَ الشّعور والوجع والقلق ، لم أفكرُ يوماً أن هذا الثمن لإدراكي يقيناً بالألم حوله ، بوصفِ الأطباءِ للوجع الذي أدركُ يقيناً ما يعني ، أو عن مشاكلهُ الصحيّة التي ترهقه ، إني آسفة جداً لأني أفهمُ كلّ تلكَ التفاصيل وليسَ بمقدوري شيء !

إني أعلمُ معنى مستوى نبضاته العالية في الجهاز الذي لمحته عند زيارته ، وضغطه المرتفع و الإجهاد الذي يصاب به ، أدرك أن قلبه يوجعه ، آه يا حبيب القلب .

حينَ تضيقُ بي الممرات في المشفى حينَ أعبرهُ بمعطفٍ أبيض كما تمنيتُ طويلاً ، و أن تسكن كلّ الأصوات حولي و أن يهمس جواري : إنه مُرهق .

ليتَ شغفي بالتخصص يحتويني ، ليتني هذهِ المرّة أيضاً أقعُ في غرامهِ مرةً أخرى ، ليتَ المعطفَ الأبيض دفءٌ من المشاعرِ الجامدة التي احتوتني تلكَ اللحظة ، يضيقُ العالم حينها في منظرِ الفراشِ الأبيض وهو نائمٌ فيه وبجسده الطاهر أجهزةٍ مُزعجة .

في المقابل يبقى دراسةِ الطبّ ومتعلقاتهِ مواساة من منظرِ الوجعِ ، و الإدراك يقيناً بالتفاصيل التي تبدو بخير ، و التحسّن البطئ الذي قد لا يلاحظه و يفهمه أيّ أحد ، وأن قول الأطباء : هوَ في تحسّن ، يعني أنكَ تدرك مدى ذاك التحسّن أكثر من أيّ شخص .

أنتَ و ذاكَ المعطفُ دفء حينَ يشعرُ أنك تفهمُ وجعهُ تماماً ، ويشكو لكَ كالطبيب وتطمئن أكثر ، أنتَ وهو يحكي لكَ كلّ التفاصيل التي يروي فيها كلّ ما قاله الطبيب باحثاً عن من يطمئن الجميع عنه .


عموماً عاطفةٌ مُرهقة .. و قلبٌ ممزقٌ بالوجعِ ، و حبيبُ القلبِ هناك .. ربي اشفهِ شفاءً لا يغادرُ سقماً ومرضى المسلمين . 

الجمعة، 3 يوليو 2015

يُزهر بحبّ


خرجَ مُسرعاً مرتدياً أحدَ أكمام معطفه ، وهو يمرّ في الشارع يرتبّ معطفه و يرتدي قفازه في تلكِ الليلةِ الباردة ، يمشي في الطريقِ شاتماً نفسه ألفُ شَتيمة على تأخرّه في النوم .

“
سيفوتني المَوعد ، ما أحمقني!" ، يحاولُ البحث عن سيارة أجرة في ذاكَ الفجر المُظلم الذي لم تُشرق شمسه بعد لكنّ لا أحد في هذا الشّارع سوى السّكارى المُترنحين ، و العُشّاق المُغرمين ، ولا يمرّ بذاكَ الشّارع سوى السّاهرين .

أمستردام السّاحرة مخيفةٌ ليلاً ليست مثلَ ضيائها صباحاً كما تحملُ الأحلام ، أخيراً سيارة أجرة تمرّ في الجوار رفع يُسراهُ ليوقفها لكنّها مرّت خلالهُ لم تَقف ، حسناً ! سيكونُ عليّ المضيّ مشياً .
" تباً لي لمَ عليّ مجاراتها إلى أبعد نقطةٍ في المدينةِ كلها " مخاطباً نفسه . 

يمشي ذارفاً البخارُ من فمهِ كلما تنفس ، مخبئاً يديه في جيبه من برودةِ الجَوْ ، بدأ المطر بالهطول رفعَ معطفه قليلاً ليحمي رأسهُ من المطر ، خارت قواهُ بدأت خطواته تضعف ، ستون دقيقة من المشي على قدميه وسطَ المطر في ليلةٍ بردها قارس كادت أن تفتكَ به ، أُرهقَ كلياً جلسَ على مقعد أحد محطات انتظار الحافلات محاولاً مقاومة الدمع لأنه لم يبلغ مقصده .

تكادُ الشمسُ تشرق ، تمرّ بخاطرهِ ألفُ ذكرى ليتني لم أنم ، يرددُ اللعنات و الشتائم كلها لنفسه لم أنا بذاك الحمق ، كان أحدَ أحلامها أن يصل في الوقتِ المحدد لكنّه لم يُكمل ، واضعاً كفيّه على وجههِ يفكرُ فيما سيحدث حينما تعلم أنه لم يحقق لها مُناها .

يقاوم الألم و يقف يمشي خطوات وتمرّ سيارة أجرة ، يوقفها  ، أخيراً علّه يحصل ، يخرجُ ورقةٍ مبللةٍ من جيبه بها عنوانٍ ما يقولُ له أرجوكَ أسرع  ، أرجعُ رأسهُ و أغمض عينيه وغطّ في سباتٍ من خيالاتٍ بلقائها .

" سيدي! استيقظ لقد وصلنا " فتح عينيه ينظرُ للسائق باستغراب متسائلاً أين أنا لكنّه سرعان ما تذّكر و نزلَ مهرولاً مستعيداً كلّ قواه .

أخيراً في المكان المحدد! 

يكاد الفجرُ يُشرق ، متقدماً بخطواتهِ المتوازنة ينظرُ في المدى أمامه ، سارحاً في المدى يسمعُ خطواتها خلفه ، مُدّت يدٍ أمسكت بيديه ، يتحسسها ويضمها ليديه دونَ أن يحرّك شفتيه .

 " إنه نيسان ، شهر التوليب ، إنه يُزهر بحبّ " تهمسُ له  فيبتسم ، ينظرانِ معاً لزهرِ التوليبِ يُزهر في المَدى .
تلتقي أعينهما فَرحين ، لا يمسّ سعادتهما شيء ، يمدُّ يديه يقطفَ زهرةً يضعها على شعرها المُنسدل .

يقول لها " جَنّتي تحققَ حلمك "

تبتسم حتى يتورّد خدها .. يمضيان بفرح .


تمت .

الأحد، 14 يونيو 2015

مُداهمة مَشاعر


خارت قِواها تباعاً ، لم تتمالك شيئاً فشيئاً يُرهقها التعب !
سَقطت ذراعها اليُمنى من على فراشِها ، شعرها يغطي نصفَ وجهها ، كأنّ حرباً أقيمت على عينيها من بقايا الكحلِ المخضّبِ بالدّمع!
أحمرُ شفاهٍ مُظلم يغطي شفتيها التي تكادُ تتمزّق إثرَ عضّها لشفتيها .
تقلّبت في الفراشِ مراراً وتكراراً .

تنظرُ لشاشةِ الهاتف تنتظرُ رسالةٍ ما بشغف ، أو حرفَ اطمئنان ، أو حتى إجابةٍ على إتصالها بمشغول قد تريحها من هوسِ القلق الذي يعتيرها .

وقفت أمام المرآة تلفُّ شعرها البنيّ المنسدل بربطةِ شعرٍ بيضاء ، تمحو الحربّ على ملامحِها بمحاولةِ البقاء مُتماسِكة تبتسم ، تنظرُ لنفسها بسكينةٍ تقتل الصخبَ داخلها .

تعودُ لفراشها في محاولةِ العودةِ للنومِ وقتل ذاكَ الشّعور ، تتقلب مراراً حتى يسكن جسدها وتنم بهدوء ، لم تُكمل الدقائق حتى تصحو فَزِعة تُمسكُ هاتفها ولا حتى ربع إشعار .
تتركه وتصمت ، تفكرْ بعمق ودمعها يجري كشلالِ طهرٍ ينسكب على وجنيتها ، و تضلّ متماسكة .

ترتفع حرارتها شيئاً فشيئاً حتى يُخنقُ قلبها ، تشعرُ بالألمِ مع كلّ شهيقٍ و زفير .
الضعفُ ينهشها نهشاً ، تُداهمها كلّ المشاعرِ دفعة واحدة!
محاولة ترتيبها في طابورٍ واحد علّها تستفيق لكنّها لا تَرحم .

يستمرّ السيناريو و يُعادُ تكراراً حتى يصدحُ في أذنها نداء الفجرِ حيّ على الفلاحِ كهمسٍ ينتشلها من إغتيالِ المشاعر!
تُصلي للهِ ركعتيّ الفجر و ترفعُ أكفها بالدعاءِ المعتقّ بالحبّ " ربي اجمعني به في جنانكَ الخالِدة " .

تلتفت ترى صورتهُ على جدارِ غرفتها مدوّنٌ أسفها .
رحل .. في السابعِ عشر من أيلول .
تمسحُ دمعها وتبتسم ، تعودُ للحياةِ مرّةً أخرى حتى يحين الليل .


- هكذا الفقدُ يقتل .
تمت .
9.23 مَ 


نُهى .

الأحد، 31 مايو 2015

فضفضة طَبيب


كنتُ أستفردُ بنفسي في دورةِ المياه كلّما يُعلنُ نبضَ أحد مرضايَ توّقفه و أبكي بكاءً مريراً ، كنتُ في كلّ مرةٍ أصرخُ معلناً ساعة وفاة أحدهم أشعرُ أن جزءاً بداخلي يموت ، كأني فقدتُ زوجتي ، أو أقربُ أبنائي إليّ ، كنتُ أبكي حتى أشعرُ أنّ كلّ دمعةٍ مني قد جفّت ، و أقتربُ من المغسلة لأتوضأ ، و أصلي للهِ ركعتين و أدعو للفقيدِ و أهله .

أشعرُ أنني أحتاجُ للمواساةِ مع كلّ مريضٍ تسوءُ حالته ، وكلّ محتضرٍ بموت ، و أحتاجُ للتهاني مع كلّ شخصٍ ينجو من موتٍ وشيك ، أو يتعافى من أناتِ الوجع ، كنتُ ولا زلتُ أشعرُ أن المرضى أجزاءً مني ، يعودونَ إليّ ، ويؤلمني كلّ ما يحلّ بهم ، لم أجد أبداً المواساة بفقدِ مريض ، لم أتلقَ من أهل الفقيدِ إلا الصبرِ على مصيبِتهم ، أو كمّاً من الشتائم أنني السببُ في ذلك ولو أنهم موقنين أن الأمر ليسَ بيدي .

لم تعلمني كليّة الطبِّ أبداً أنني سأموتُ مع كلّ مريض ، لم تعلمني أن جزءاً بداخلي سينكسر ، لكنّها علمتني أن أكون أقوى كلّ مرة ، و أبذل من الجهدِ ما قد يرسم الفرحةِ في وجهِ أحبةِ طريحِ الفراش ذاك .

عملي في قسمِ الطوارئ لم يمنحني ذاك الوقتُ للبكاء ، لكنِّ ما إن أنهي كلّ عملي حتى أبقى لوحدي أجهشُ بالبكاء ، لا أنسى أبداً زملائي حينَ يأخذون قسطاً من الراحةِ في استراحةِ الأطباء ، لا أنسى الإنهيارات و البكاء ، وتبادلُ المواساة .

مُشبعينَ بالشّعور جميعهم تجاهِ الفقد ، تقشّعر أجسادنا لساعةِ الرحيل مهما حاولنا التماسك ، يضعفُ نبضنا ، و يسكنُ همسنا ، ومهما كانَ الصراخُ عالياً و الحديثُ واضحاً يكونُ مبحوحاً أبداً امام ذكرِ ساعة الرحيل ، في حضرةِ الموتِ كلنا موتى ، لن يؤذي الموتَ ذاكَ الراحل ، لكنّه يؤذينا جميعاً ، يوجعنا و يكسرنا ، لكنّه أبداً لا يضعفنا ، يجعلنا مستيقظين طوالَ الليل في انتظارِ حياةٍ أخرى بحاجةِ إلينا .

تأوهُ المرضى لم يكن يوماً ليسعدنا ، حتى وإن قلنا إن حالته تُثيرُ الاهتمامِ لا يعني ذلك أننا سعداء بالأمر ، تدافعنا لرؤيةِ حالةٍ نادرة ، ليسَ كما يفهمها البعض أننا نرى ذاك التوّجع مميزاً تلكَ المرة ، ما كانَ لوجعٍ أن يُفرحنا أبداً .

كنتُ ابحثُ عن ورقةٍ في مكتب زميلي ذاتَ مرة ، فوقعت في يدي أوراقاً كفلَ فيها أيتام مريضٍ له مات ببطءٍ أمامه ، موقنٌ أنا للشعورِ الذي أصابه بالفقد ، أولئك المرضى الذين يبقون طويلاً أمام أعيننا يصبحون في الجانبِ الأيسر من صدورنا ، و ندعو كلّ ليلةٍ قبل الفجرِ أن يعجّل الله شفائهم ، و نودعهم أثناء خروجهم بعافيةٍ املين من اللهِ مرة أخرى أن لا نراهم مرةً أخرى في مكانِ لقائنا الأول .

أما عن أولئك الراحلين أمامنا فإننا لا ننساهم ، لا يمرون أبداً مرور العابرين ، ولا يرحلونَ منسيين ، يبقون في ذاكرةٍ تملؤها الكثير من المرضى ، بتمتماتٍ من الدعاء في كلّ مرةٍ نمرّ أمامَ سريرٍ نذكرُ مرضاهُ جميعهم ، هُناكَ أجزاءً منا تبقى معلقةً منهم ، وفي القلبِ دعواتٌ أن يكون الفردوسَ المُلتقى .



-         أثق أن أطباءٌ كهؤلاء ، موجودون في العالم وإن لم ندركُ عنهم . 

الثلاثاء، 19 مايو 2015

هذا المساءُ كتبت !


أفتح عينيّ ببطء و تثاقلٍ شديد ، انظر لخلفِ النخلةِ الشامخةِ من نافذةِ الغرفة التي على يميني
 لم أستطع تحديد وقت ، نظرتُ للساعة ' الخامسة مساءً ' و رأسي يكادُ ينفجر ، عدتُ للنومِ تارةً أخرى في عمقٍ شديد .

صحوتُ بعد دقيقتين ، إنها السابعة مساءً عليّ النهوض ، صداعٌ يفتكُ بي كأنني صحوتِ للتوّ من مخدر (( DMT  قد كنتُ في عالمٍ آخر تماماً .

رأيتُ فيلاً يتجوّل في ممرِ المختبر والجميعُ يهربُ منه ، يبدو أنني الوحيدةِ التي رأيتهُ لطيفاً و اقتربتُ منه محاولةً مداعبته ، لكن يبدو أنه غاضبِ قد دفعني بخرطومه للجدار .

رأسي ثقيلٌ جداً لا يمكنني حتى رفعهُ من الوسادة ، هه! رُبما المعلومات السرمديّة السبب التي
ظلت محاضِرة علم المناعة تعيدها علينا مراراً و تكراراً دون أن نفهم شيء ، لمَ لا يفهمون أن ليسَ كلّ من أمسك بشهادةِ الماجستير يمكنه أن يكون معلماً!

لا يمكنني رفعَ رأسي المرهق ، أحتاجُ لجرعةٍ من المخدر تأخذني من هذا البؤس ، أحتاجُ إليهِ و كأنني سأموتُ دونَ جرعةٍ منه ، أحتاجُ لأن اكتب ، يقتلني هذا الشّعور .

الحَرف أفيون المدوّن! جرعةٌ منه ستنتشلني من هذا العالم و أعودُ بتيهٍ في حلمٍ لا أدري لأين يأخذني هذه المرّة ، المُهم أنها ستنسيني لعنةَ علمِ المناعة!

أعلمُ أنني من اخترتُ الإصابةِ بهذه اللعنة ، أنا من كتبَ أولاً وبدأت بذاك الإدمان  ، ها هيَ الحُمى الآن تنهشني تحتاجُ لجرعةٍ أخرى ، لحرفٍ يُزهرُ بالحياةِ و يُسعد .

لستُ بذاك الحمق ليأتي بخاطري أنني اكتب حرفاً من نور ، أعلمُ أنه حرفٌ مصابٌ بلعنةٍ ما تتبعهُ الحمى في محاولةِ الهرب منه ، أو الإنشغال عنه .

كلّ صباح كان يستمعْ لأغاني فيروز يقولُ لي أنها حياةً للصباح ، لكنِّ لا أؤمن بذلك ، الموسيقى رُبما تأخذنا لعالمٍ آخر ، لكنّها ليست حلالاً على أيةِ حال ، و لستُ بالحمق الذي يجعلني أبدأ صباحي بسيئة!

لكنِّ بالحمقِ الأشد أن أصحو فجراً لأغوصَ بينَ أغوارِ حرفٍ دُوّن ، إني بالحمقِ لدرجةِ أنني أبتعد عن العالمِ لأقرأه وكأنه الشيء الوحيد الحيّ في هذا العالم ، قالت لي تلكَ المرة " هي لعنةٌ لن تصحينَ منها إن أدمنتها "  ، هيَ لعنةٌ لا أريدَ أن أشفى منها ، كالمسّ الذي لا أحتاجُ لرقيةٍ منه!

هذا المساء كادَ أن ينفجرَ رأسي رغبةً في استنشاقِ حرفٍ يأخذني بعيداً ، ليحملني للعالمِ الآخر ، حيثُ أكونُ ريفيّة في كوخٍ بينَ الألبِ في سويسرا ، اكتب على آلةِ كتابةٍ قديمة تصدر صريراً كلما نقرتُ على حرفٍ منها ، إني بذاكَ الحمقْ أن صحوتُ ذاتَ مرة قبل عشرِ سنوات و كان قراري أن اكتب!

لحظة! لمَ يراودني هذا الشّعور والحرفُ كان اختياري ، حمى اشتياقِ الحرفِ تسكرُ بي .. يبدو أني بدأت أُهلوس .

حقيقةً واحدة أدركها الآن حمى الحرفِ جعلتني اكتب هذا المساء  ، في شوقٍ إلى هُنا .


السبت، 9 مايو 2015

حقائق مَكتومة .

رَفعتُ رأسي عن ورقةِ الإجابةِ ألتقطَ قلمي الرصاصُ الذي سقطِ بحركةٍ بسيطةٍ من يدي ، رأيتُ المُراقبة تشرح لطالبٍ على يساري ، تنّهدتُ مادةً يدي للأمام محاولةً التخلصُ من وجعِ يديّ لطول الأسئلة ، رأيتهُ يمدُّ بيدهُ لصديقهِ يتبادلانِ ورقة الإجابة لمادةِ التحليلاتِ الطبية ، سُحقاً أهذا جلّ همكم ؟

رغمَ محاولتي لتجاهل الأصوات حولي في امتحان علم المناعة المقرر الأصعب بالنسبةِ لي كان لا صوتَ سوى حركةِ الأقلام وتصّفح الأوراق بالنسبةِ للمراقبين ، بالنسبةِ لي كان التخلّص من همسِ أصواتهم التي كانت أشبهِ بحركة حشراتٍ في ثنيّات دماغي ، في محاولة لتجميعِ الشتاتِ في آخر الوقت ، كان الغشّ مُقرفاً ومزعجاً ، و قاتلاً بالنسبةِ لحالٍ سنكونُ عليه .

مددتُ يدي ذات مرّة في نهاية المحاضرة في الدرجِ لأخرج أوراقي ، سقطت وريقاتٌ صغيرة ، قرأتُ ذاك الخطّ الصغير لأجد الأمراض التي تسببها " streptococcus , staphylococcus  " ما هيَ إلا بكتيريا علم الأحياء الدقيقة ، يبدو أن أحد الطلابُ معنا هو وضعها ، وأنا أدركُ جيداً من كان جالساً في تلكَ الطاولةِ خلفي وقت الإمتحان !

أولئك الذين اشمئزت منهم نفسي ألفَ مرةٍ و مرّة ، هم نفسهم الذي سيبقون في مُختبراتِ مشافينا ، للكشفِ عن الأمراض ، هم نفسهم المتهامسينَ وسط الإمتحانات ، المستغلين وقتهم في تعلّم الكتابةِ بخطٍ صغير ، أو قضاء وقتٍ طويل في التخطيطِ لأماكن جلوسهم في مكانٍ يسمح لهم جيداً بالغشّ ، و هم وعقولهم التي تبقى فارغةٍ من أدنى معلومةٍ قد تحيي مريض .

أدركُ جيداً أنّ 90% من الإمتحانات التي خضعتُ لها في هذا التخصص وصلتني قبلَ الإمتحان في مجموعةِ الدفعة ، وكأننا ندرسَ تخصصٍ طبيّ ، لننجح!

أنا لا يهمني الحصول على معدلٍ عالٍ و روحُ انسانٍ ستموتُ بينَ يديّ لأن عقلي مجرّد من أي فكرةٍ قد تحيي حياته ، أو أنني لا أقومُ سوى بالخضوعِ للامتحانات لأفرغ كلّ ما في عقليَ الباطِن في ورقةٍ سُتمزّق بعد ذلك .

رأيتها تلكَ المرّة في غرفةِ النسخِ تنظرُ إليه يقوم بتمزيق كلّ الأوراق ، تقولُ أن عليهم تمزيق أوراقِ امتحان الدفعةِ الماضية قبل أن تخضع الدفعة الحالية للامتحان ، وفي نفسي أقول وكأننا لا تصلنا الامتحانات التي لا يُغيّر منها سوى سؤال أو سؤالين !

وفي نفسي ألفَ تساؤلٍ وتساؤل من المسؤول هذه المرّة : الطالب ؟ أم المعلم المتخاذل عن كتابةِ اسئلةِ امتحانٍ جديدة ، وقد حفظ الطلاب الماضين اسئلته فامتحانه لم يتغيّر منذ خمس سنواتٍ خلت .

رغمَ كلّ ما يحدث هُناك عقولٌ ترفعُ لها القبعة لتميّزها وعلمها و حملها الأمانة بمنتهى الجديّة ، رغمَ ذلك ليسَ طلابُ تخصصي الوحيدين المُتهمين بهذه الجريمة ، فإني أرى أوراق الإجاباتِ تتُناقل و الحلول تتبادل ، و كلّ المشاريع و البحوثِ تنتقلٍ بينَ طلابِ دفعةٍ يفكرون في أنهم مضغوطين جداً ، لا يُمكنهم القيام بأعمالهم بمفردهم !

الغش وإن كانَ منتشراً بينَ الطلبةِ في المدارس والجامعات والكليات ، و الذي يعلمُ الجميع أنه محرّم ، و علّتهم " وتعاونوا على البر والتقوى " و كأن الحصول على درجةٍ عالية برٌ وتقوى متجاهلين تكملةِ الآية " ولا تعاونوا على الإثمِ والعدوان " ، عقابهُ يجب أن يكونَ أقسى من حذفِ 50%من درجاتِ الطالب في امتحان ذاك المقرر !

العجيبُ أحياناً ان المُراقب يلحظَ الغشّ ومع ذلكَ يتجاهل ، و كأنه بذلك قد أنقذ طلابهُ من الوقوعِ في كمينِ أسئلتهِ رُبما ، أنا لا أعلمُ حقاً ما الهدفِ الرئيسي من التجاهل ، رُبما رغبةً في التخلّص من الطلاب و دفعهم للتخرّجِ بأقصى سرعةٍ ممكنة ، أما عن بعض المراقبين يكلفون على أنفسهم قليلاً بالقولُ " ركزّ في ورقتكَ يا فُلان " ، ليدرك ذاك الفُلان أن محاولتهُ تلكَ الغشِّ فاشلة وعليهِ المحاولة بشكلٍ آخر ، أو بطريقةٍ تمكّن المراقب من تجاهلها !

يبقى السؤال مُحبطةً إجابته في كلّ مرة ، متى يشعرون بالمسؤولية تجاهِ الأرواح التي يُحملّون مسؤوليتها ؟ ومتى يحاول المُعلم أن لا يكرر الإمتحان نفسه باذلاً من الجهدِ القليلِ بكتابة امتحانٍ مختلف ؟ ومتى تُشدد الإدارات تعاملها تجاه الغشّ ليسَ كأنه أشبهُ بتناولِ العلكةِ في وسطِ المحاضرة ؟


سؤالٌ ممزّق المُعالم : مُستقبلُ الطبِّ إلى أينَ يتجه ؟