الأحد، 31 مايو 2015

فضفضة طَبيب


كنتُ أستفردُ بنفسي في دورةِ المياه كلّما يُعلنُ نبضَ أحد مرضايَ توّقفه و أبكي بكاءً مريراً ، كنتُ في كلّ مرةٍ أصرخُ معلناً ساعة وفاة أحدهم أشعرُ أن جزءاً بداخلي يموت ، كأني فقدتُ زوجتي ، أو أقربُ أبنائي إليّ ، كنتُ أبكي حتى أشعرُ أنّ كلّ دمعةٍ مني قد جفّت ، و أقتربُ من المغسلة لأتوضأ ، و أصلي للهِ ركعتين و أدعو للفقيدِ و أهله .

أشعرُ أنني أحتاجُ للمواساةِ مع كلّ مريضٍ تسوءُ حالته ، وكلّ محتضرٍ بموت ، و أحتاجُ للتهاني مع كلّ شخصٍ ينجو من موتٍ وشيك ، أو يتعافى من أناتِ الوجع ، كنتُ ولا زلتُ أشعرُ أن المرضى أجزاءً مني ، يعودونَ إليّ ، ويؤلمني كلّ ما يحلّ بهم ، لم أجد أبداً المواساة بفقدِ مريض ، لم أتلقَ من أهل الفقيدِ إلا الصبرِ على مصيبِتهم ، أو كمّاً من الشتائم أنني السببُ في ذلك ولو أنهم موقنين أن الأمر ليسَ بيدي .

لم تعلمني كليّة الطبِّ أبداً أنني سأموتُ مع كلّ مريض ، لم تعلمني أن جزءاً بداخلي سينكسر ، لكنّها علمتني أن أكون أقوى كلّ مرة ، و أبذل من الجهدِ ما قد يرسم الفرحةِ في وجهِ أحبةِ طريحِ الفراش ذاك .

عملي في قسمِ الطوارئ لم يمنحني ذاك الوقتُ للبكاء ، لكنِّ ما إن أنهي كلّ عملي حتى أبقى لوحدي أجهشُ بالبكاء ، لا أنسى أبداً زملائي حينَ يأخذون قسطاً من الراحةِ في استراحةِ الأطباء ، لا أنسى الإنهيارات و البكاء ، وتبادلُ المواساة .

مُشبعينَ بالشّعور جميعهم تجاهِ الفقد ، تقشّعر أجسادنا لساعةِ الرحيل مهما حاولنا التماسك ، يضعفُ نبضنا ، و يسكنُ همسنا ، ومهما كانَ الصراخُ عالياً و الحديثُ واضحاً يكونُ مبحوحاً أبداً امام ذكرِ ساعة الرحيل ، في حضرةِ الموتِ كلنا موتى ، لن يؤذي الموتَ ذاكَ الراحل ، لكنّه يؤذينا جميعاً ، يوجعنا و يكسرنا ، لكنّه أبداً لا يضعفنا ، يجعلنا مستيقظين طوالَ الليل في انتظارِ حياةٍ أخرى بحاجةِ إلينا .

تأوهُ المرضى لم يكن يوماً ليسعدنا ، حتى وإن قلنا إن حالته تُثيرُ الاهتمامِ لا يعني ذلك أننا سعداء بالأمر ، تدافعنا لرؤيةِ حالةٍ نادرة ، ليسَ كما يفهمها البعض أننا نرى ذاك التوّجع مميزاً تلكَ المرة ، ما كانَ لوجعٍ أن يُفرحنا أبداً .

كنتُ ابحثُ عن ورقةٍ في مكتب زميلي ذاتَ مرة ، فوقعت في يدي أوراقاً كفلَ فيها أيتام مريضٍ له مات ببطءٍ أمامه ، موقنٌ أنا للشعورِ الذي أصابه بالفقد ، أولئك المرضى الذين يبقون طويلاً أمام أعيننا يصبحون في الجانبِ الأيسر من صدورنا ، و ندعو كلّ ليلةٍ قبل الفجرِ أن يعجّل الله شفائهم ، و نودعهم أثناء خروجهم بعافيةٍ املين من اللهِ مرة أخرى أن لا نراهم مرةً أخرى في مكانِ لقائنا الأول .

أما عن أولئك الراحلين أمامنا فإننا لا ننساهم ، لا يمرون أبداً مرور العابرين ، ولا يرحلونَ منسيين ، يبقون في ذاكرةٍ تملؤها الكثير من المرضى ، بتمتماتٍ من الدعاء في كلّ مرةٍ نمرّ أمامَ سريرٍ نذكرُ مرضاهُ جميعهم ، هُناكَ أجزاءً منا تبقى معلقةً منهم ، وفي القلبِ دعواتٌ أن يكون الفردوسَ المُلتقى .



-         أثق أن أطباءٌ كهؤلاء ، موجودون في العالم وإن لم ندركُ عنهم . 

الثلاثاء، 19 مايو 2015

هذا المساءُ كتبت !


أفتح عينيّ ببطء و تثاقلٍ شديد ، انظر لخلفِ النخلةِ الشامخةِ من نافذةِ الغرفة التي على يميني
 لم أستطع تحديد وقت ، نظرتُ للساعة ' الخامسة مساءً ' و رأسي يكادُ ينفجر ، عدتُ للنومِ تارةً أخرى في عمقٍ شديد .

صحوتُ بعد دقيقتين ، إنها السابعة مساءً عليّ النهوض ، صداعٌ يفتكُ بي كأنني صحوتِ للتوّ من مخدر (( DMT  قد كنتُ في عالمٍ آخر تماماً .

رأيتُ فيلاً يتجوّل في ممرِ المختبر والجميعُ يهربُ منه ، يبدو أنني الوحيدةِ التي رأيتهُ لطيفاً و اقتربتُ منه محاولةً مداعبته ، لكن يبدو أنه غاضبِ قد دفعني بخرطومه للجدار .

رأسي ثقيلٌ جداً لا يمكنني حتى رفعهُ من الوسادة ، هه! رُبما المعلومات السرمديّة السبب التي
ظلت محاضِرة علم المناعة تعيدها علينا مراراً و تكراراً دون أن نفهم شيء ، لمَ لا يفهمون أن ليسَ كلّ من أمسك بشهادةِ الماجستير يمكنه أن يكون معلماً!

لا يمكنني رفعَ رأسي المرهق ، أحتاجُ لجرعةٍ من المخدر تأخذني من هذا البؤس ، أحتاجُ إليهِ و كأنني سأموتُ دونَ جرعةٍ منه ، أحتاجُ لأن اكتب ، يقتلني هذا الشّعور .

الحَرف أفيون المدوّن! جرعةٌ منه ستنتشلني من هذا العالم و أعودُ بتيهٍ في حلمٍ لا أدري لأين يأخذني هذه المرّة ، المُهم أنها ستنسيني لعنةَ علمِ المناعة!

أعلمُ أنني من اخترتُ الإصابةِ بهذه اللعنة ، أنا من كتبَ أولاً وبدأت بذاك الإدمان  ، ها هيَ الحُمى الآن تنهشني تحتاجُ لجرعةٍ أخرى ، لحرفٍ يُزهرُ بالحياةِ و يُسعد .

لستُ بذاك الحمق ليأتي بخاطري أنني اكتب حرفاً من نور ، أعلمُ أنه حرفٌ مصابٌ بلعنةٍ ما تتبعهُ الحمى في محاولةِ الهرب منه ، أو الإنشغال عنه .

كلّ صباح كان يستمعْ لأغاني فيروز يقولُ لي أنها حياةً للصباح ، لكنِّ لا أؤمن بذلك ، الموسيقى رُبما تأخذنا لعالمٍ آخر ، لكنّها ليست حلالاً على أيةِ حال ، و لستُ بالحمق الذي يجعلني أبدأ صباحي بسيئة!

لكنِّ بالحمقِ الأشد أن أصحو فجراً لأغوصَ بينَ أغوارِ حرفٍ دُوّن ، إني بالحمقِ لدرجةِ أنني أبتعد عن العالمِ لأقرأه وكأنه الشيء الوحيد الحيّ في هذا العالم ، قالت لي تلكَ المرة " هي لعنةٌ لن تصحينَ منها إن أدمنتها "  ، هيَ لعنةٌ لا أريدَ أن أشفى منها ، كالمسّ الذي لا أحتاجُ لرقيةٍ منه!

هذا المساء كادَ أن ينفجرَ رأسي رغبةً في استنشاقِ حرفٍ يأخذني بعيداً ، ليحملني للعالمِ الآخر ، حيثُ أكونُ ريفيّة في كوخٍ بينَ الألبِ في سويسرا ، اكتب على آلةِ كتابةٍ قديمة تصدر صريراً كلما نقرتُ على حرفٍ منها ، إني بذاكَ الحمقْ أن صحوتُ ذاتَ مرة قبل عشرِ سنوات و كان قراري أن اكتب!

لحظة! لمَ يراودني هذا الشّعور والحرفُ كان اختياري ، حمى اشتياقِ الحرفِ تسكرُ بي .. يبدو أني بدأت أُهلوس .

حقيقةً واحدة أدركها الآن حمى الحرفِ جعلتني اكتب هذا المساء  ، في شوقٍ إلى هُنا .


السبت، 9 مايو 2015

حقائق مَكتومة .

رَفعتُ رأسي عن ورقةِ الإجابةِ ألتقطَ قلمي الرصاصُ الذي سقطِ بحركةٍ بسيطةٍ من يدي ، رأيتُ المُراقبة تشرح لطالبٍ على يساري ، تنّهدتُ مادةً يدي للأمام محاولةً التخلصُ من وجعِ يديّ لطول الأسئلة ، رأيتهُ يمدُّ بيدهُ لصديقهِ يتبادلانِ ورقة الإجابة لمادةِ التحليلاتِ الطبية ، سُحقاً أهذا جلّ همكم ؟

رغمَ محاولتي لتجاهل الأصوات حولي في امتحان علم المناعة المقرر الأصعب بالنسبةِ لي كان لا صوتَ سوى حركةِ الأقلام وتصّفح الأوراق بالنسبةِ للمراقبين ، بالنسبةِ لي كان التخلّص من همسِ أصواتهم التي كانت أشبهِ بحركة حشراتٍ في ثنيّات دماغي ، في محاولة لتجميعِ الشتاتِ في آخر الوقت ، كان الغشّ مُقرفاً ومزعجاً ، و قاتلاً بالنسبةِ لحالٍ سنكونُ عليه .

مددتُ يدي ذات مرّة في نهاية المحاضرة في الدرجِ لأخرج أوراقي ، سقطت وريقاتٌ صغيرة ، قرأتُ ذاك الخطّ الصغير لأجد الأمراض التي تسببها " streptococcus , staphylococcus  " ما هيَ إلا بكتيريا علم الأحياء الدقيقة ، يبدو أن أحد الطلابُ معنا هو وضعها ، وأنا أدركُ جيداً من كان جالساً في تلكَ الطاولةِ خلفي وقت الإمتحان !

أولئك الذين اشمئزت منهم نفسي ألفَ مرةٍ و مرّة ، هم نفسهم الذي سيبقون في مُختبراتِ مشافينا ، للكشفِ عن الأمراض ، هم نفسهم المتهامسينَ وسط الإمتحانات ، المستغلين وقتهم في تعلّم الكتابةِ بخطٍ صغير ، أو قضاء وقتٍ طويل في التخطيطِ لأماكن جلوسهم في مكانٍ يسمح لهم جيداً بالغشّ ، و هم وعقولهم التي تبقى فارغةٍ من أدنى معلومةٍ قد تحيي مريض .

أدركُ جيداً أنّ 90% من الإمتحانات التي خضعتُ لها في هذا التخصص وصلتني قبلَ الإمتحان في مجموعةِ الدفعة ، وكأننا ندرسَ تخصصٍ طبيّ ، لننجح!

أنا لا يهمني الحصول على معدلٍ عالٍ و روحُ انسانٍ ستموتُ بينَ يديّ لأن عقلي مجرّد من أي فكرةٍ قد تحيي حياته ، أو أنني لا أقومُ سوى بالخضوعِ للامتحانات لأفرغ كلّ ما في عقليَ الباطِن في ورقةٍ سُتمزّق بعد ذلك .

رأيتها تلكَ المرّة في غرفةِ النسخِ تنظرُ إليه يقوم بتمزيق كلّ الأوراق ، تقولُ أن عليهم تمزيق أوراقِ امتحان الدفعةِ الماضية قبل أن تخضع الدفعة الحالية للامتحان ، وفي نفسي أقول وكأننا لا تصلنا الامتحانات التي لا يُغيّر منها سوى سؤال أو سؤالين !

وفي نفسي ألفَ تساؤلٍ وتساؤل من المسؤول هذه المرّة : الطالب ؟ أم المعلم المتخاذل عن كتابةِ اسئلةِ امتحانٍ جديدة ، وقد حفظ الطلاب الماضين اسئلته فامتحانه لم يتغيّر منذ خمس سنواتٍ خلت .

رغمَ كلّ ما يحدث هُناك عقولٌ ترفعُ لها القبعة لتميّزها وعلمها و حملها الأمانة بمنتهى الجديّة ، رغمَ ذلك ليسَ طلابُ تخصصي الوحيدين المُتهمين بهذه الجريمة ، فإني أرى أوراق الإجاباتِ تتُناقل و الحلول تتبادل ، و كلّ المشاريع و البحوثِ تنتقلٍ بينَ طلابِ دفعةٍ يفكرون في أنهم مضغوطين جداً ، لا يُمكنهم القيام بأعمالهم بمفردهم !

الغش وإن كانَ منتشراً بينَ الطلبةِ في المدارس والجامعات والكليات ، و الذي يعلمُ الجميع أنه محرّم ، و علّتهم " وتعاونوا على البر والتقوى " و كأن الحصول على درجةٍ عالية برٌ وتقوى متجاهلين تكملةِ الآية " ولا تعاونوا على الإثمِ والعدوان " ، عقابهُ يجب أن يكونَ أقسى من حذفِ 50%من درجاتِ الطالب في امتحان ذاك المقرر !

العجيبُ أحياناً ان المُراقب يلحظَ الغشّ ومع ذلكَ يتجاهل ، و كأنه بذلك قد أنقذ طلابهُ من الوقوعِ في كمينِ أسئلتهِ رُبما ، أنا لا أعلمُ حقاً ما الهدفِ الرئيسي من التجاهل ، رُبما رغبةً في التخلّص من الطلاب و دفعهم للتخرّجِ بأقصى سرعةٍ ممكنة ، أما عن بعض المراقبين يكلفون على أنفسهم قليلاً بالقولُ " ركزّ في ورقتكَ يا فُلان " ، ليدرك ذاك الفُلان أن محاولتهُ تلكَ الغشِّ فاشلة وعليهِ المحاولة بشكلٍ آخر ، أو بطريقةٍ تمكّن المراقب من تجاهلها !

يبقى السؤال مُحبطةً إجابته في كلّ مرة ، متى يشعرون بالمسؤولية تجاهِ الأرواح التي يُحملّون مسؤوليتها ؟ ومتى يحاول المُعلم أن لا يكرر الإمتحان نفسه باذلاً من الجهدِ القليلِ بكتابة امتحانٍ مختلف ؟ ومتى تُشدد الإدارات تعاملها تجاه الغشّ ليسَ كأنه أشبهُ بتناولِ العلكةِ في وسطِ المحاضرة ؟


سؤالٌ ممزّق المُعالم : مُستقبلُ الطبِّ إلى أينَ يتجه ؟ 

الأحد، 26 أبريل 2015

هُناكَ أنا .. وفي الجنّة .


و يوماً تُشرقُ الشمسُ
ولا تأفل !
نرى غيمٌ تشققَ في العُلا فرحاً
ولا يمضي !
و صوتٌ هامسٌ بالدفء يهذي
ها هيَ الجنّة .
بهتٌ كادَ يقتلني ، يفتكُ بي
و يَشكوني إلى الله !
صبراً إنها الدنيا
يزولُ الألمُ في الجنّة .
و زهرٌ طاهرٌ أبيض
كمطرٍ يحتضن وجعي
يطمأنني !
يقولُ أبي : أنشتري الجنّة ؟
و فيها تمرُ نخلتنا .. امتدت إلى الفردوسِ .

هيَ الجنّة ..
و دفءٌ آتيٍ من رحمةِ
سُكبت أحلامها فينا
نقومُ الفجرِ في شغفٍ
وفي الأسحار نستغفر
بشوقٍ كادَ يبكيني
إليها كلّ آمالي ..
و أشيائي وأحلامي !

هيَ الجنّة .
و رحماتٌ غرقتُ بها بدنيانا
و لطفٌ احتوى دمعي
و رفقٌ آنسَ الوحشة .
هناكَ صدىً قبلَ الفجرِ يدعوني
يقولُ هُناك : في الجنّة .
حفيدٌ رحلَ يومَ ميلادي
يقولُ : لقائنا أبديّ
كطهرٍ طارَ للجنّة
و حديثٌ هزّ ذاكرتي
" تزيلُ الهمّ و الوجعُ "
و همساتٌ على الساحاتِ
بعد شروقها يوماً
هُناك يا ريحةَ الجنّة
لقائنا يوماً .

هُناك أنا ، وصوتي رُدّ في الأذان
ويبقى صداهُ موشوماً
على صدرٍ من الأحلام
يحكي في صنوفِ الليل
اجمعنا في الفردوس .
آهٍ من توجعنا ، وبكاءُ الفقدِ و الحزن !
و آه من تفرّقنا ، و آهٍ من تأففنا
لذاكَ القلبُ في صدري

لهمسِ أبي
لقلبٍ كانَ يحويني
و شمسٌ أشرقت يوماً
و نبراسٌ أبلجَ في سماء صدري .
و قرآنا تبّسمَ في صدى فجري
و حلمٌ كلّ الليلِ يأخذني

إلى شغفي
نقاءً يرتوي منه مُزنُ أحلامي .
إلى حرفٍ يهزَ الأمنياتُ بعيداً
يسافرُ بي
لجنّةِ الرحمنُ يأخذني
يُخلّد فيها كالفجرِ اسمي هامساً أبداً
إلى كلّ الحكايات ، رواياتٌ تحتوي حرفي .
هُناك أنا .. وفي الجنّة
لقاءُ الخلدِ يجمعنا .



تمت – 25\4\15
4:04 مَ

الأحد، 19 أبريل 2015

شغفٌ عن عاميها !


تبقى هيَ ما يرتشف مني بؤس العالم حينَ يبهتُ كلّ الجمالَ فيّ ، هي ما تبتسمُ كلّ مرةٍ في وجهي مادةً ذراعيها تضمني ، لأنام ملء جُفوني وتهدأ رجفةَ الألم ، تبقى تمسحُ على ظهري كلما تكوّرتُ وجعاً ، وكلما تقلّبت أرتجي ألماً .

رغمَ جرحِ فقدِ الجدّات كانت هيَ الجدّة ، مستمعةً لحكاياها كلّ ليلة ، لتلكَ الخرافات والأساطير التي لا ترويها إلا الجدات ، كانت تجيد نسجها بإتقان وكأنها بدأت منها ، تغزلها بمهارةٍ تامة تأسرني بكامل حواسي للخوضِ فيها ، لسماعِ صوتها المَبحوح يروي بشغف  ، هيَ طبطبةٌ على وجع فقدِ الجدات ، و أنسٌ من جراحِ الأصدقاء ، لطفٌ مرسومُ المُعالمُ في ملامحها و كأن طهرَ العالمِ كله مغروس فيها وبسمتها .

" تمنيتُ أن أكون غيمة " لأنها تحتَ بدرِ نيسان  قبل عامين قالت لي أن طهر الغيمِ لا يشابهه شيء ، و أني إذا ما كنتُ أشبه الغيم بدوتُ نفحةً من الجنّة وسط يئس هذا العالم  ، لسببٍ ما هيَ تداوي الدمعَ ببسمةٍ تُزيلُ كلّ شيء .

الله أعلم! كمّ المرات التي بكيتُ بينَ أضلعها وجعاً و كم من حلمٍ بنيتهُ تحتَ ظلالها  ،كبرت أحلامي فيها وكبر معها شغفاً لا يغيب  ، ليت كلّ العالم باتساعها ، و إن ضاقتِ الأرضُ بما رحبت هيَ كلّ الأرض والسماء ، هيَ فجرٌ كونيّ لا ينتهي ليلهُ ولا تأفلُ شمسه ، قدسيّةُ الأحلامِ بدأت باسمها وكأنها أول القِبلات و آخر التلاوات السرمديّة ، كأنها بشرىً من الجنّة توقظني من غفلتي كلّ ليلة ، وكلّ فجريّةٍ و عصريّة .

و كأنها شمسُ نيسان الربيعيّة الدافئة ، المُتخبطة بين حرارةِ الصيف ورجفة الشتاء ، و كأنّ طهرَ العالمُ كله مكمونٌ في شجرة ياسمين ، لا تُذبلها شمسٌ حارقة ، أو يُغرقها مطر ، طهرٌ مجسّد كهالةِ من نور بينَ كفيّ سحابة ، لا تَطالها أيُّ يدّ مهما امتدت عالياً .

حينَ نفى قلبها بُهت هذا العالم ، ابتسمت في كلّ مرةٍ رأت دمعة ، وطَبطبَت على المُتونِ كلّما اشتدّ بها الضعف ، دهشةٌ خففت ذاكَ الإحباط ، و طيفٌ سماويٌّ يبني ربيعاً زاهراً كلّ مرة ، رغمَ انها لم تُزهر مؤخراً إلا أنها في قلبي جناناً فارِهة ، تَزهو الحياةُ بها ، ويُثمرُ زهرها ، كالحبّ تُعطي للحروفِ سَماء ، هيَ  درّةٌ أحلامُها أشياء .

-        لطالما تمنيّت أن أكونَ مُدوِّنة ، أو أكون صاحبةِ أسطورةٍ تُسمى " هيَ الأشياء تعرفني .. و أعرفها كما الأحلام " ، لطالما كنتُ أتمنى أن اكتب ليقرأها الأحفادُ بعدي إن تلاشيت ، يرتوي منها الأبناءُ بعد الفقدِ ، وكلّ حينٍ كلما احتاجوا لذاك الحديث ، تمنيّت أن اكتب لألا يفقدني الأصدقاءُ أبداً و إن رحلت .

فقدتُ أجدادي قبلَ أن يتمّوا قراءة تلكَ القصةِ لي ، دونَ أن أتشبّعُ من خرافاتهم وأساطيرهم ، دون أن أتذوّق أحاديثهم الطويلة و حكاياهم الغريبة ، تمنيّت لو أن أحدهم كان يكتب ، لأقرأ ، لو كانوا يكتبون تفاصيلهم حتى أعيشها الآن ، دونَ أن أكفكفَ دمعي كلما ذكر أحدهم أجداده ، و دونَ أن أتمنى كلّ ليلةٍ زيارةٌ لهم في أحلامي ، لو كتبوا لأدركتُ ملامحهم الآن ، لعرفتُ كيفَ كانوا دونَ أن يروي لي عنهم أحد ، لكانوا وحدهم يكتبون لحفيدتهم حينَ تكبر .. حتى تقرأ !

لطالما تمنيتُ لو كانت " رحمة  الله عليها " تكتب حتى لا أصبحَ منكسرةَ حينَ أفقد رسائلها ، كنتُ سأعيشُ معها دونَ فقد ، كانت ستحكي لي كلّ ليلةٍ حرفاً بنكهةٍ مختلفة ، دونَ يقظةٍ في عمقِ الليل احتياجاً لأحرفها !

أدوّن ، لستُ لأعجبَ أحد ، و ليسَ لشيوعِ الأمر أو لأن أحدهم سيقرأ ، أدوّن لنفسِ الأمرِ الذي تمنيّته لو أن أجدادي ، أصحابي ، كلّ الراحلين لو كانوا يكتبون ، لو أنهم كتبوا لعشتُ معهم الآن دونَ فقد ، لم يكتبوا قبلي ، لكنِّ كتبتُ لألا يفقدني أحداً ، ليجدني كلّ الصحاب هُنا أطبطبَ عليهم ، ليعيشَ أحفادي زهرَ جدّتهم ، ليقرأ أبنائي حديثٌ مرسولٌ إليهم قبلَ ولادتهم بسنوات ، ليكونَ كلّ من كانَ هُنا يوماً ربيعاً زاهراً !

إن كانَ كاتباً سيكونُ عظيماً ، أنا لن أربي أبناءً لا يُفرّقونَ بينَ الراوية و القصة ، ولا بينَ حرفي الظاء و الضاد ، لن أربي أبناءً يتجاهلونَ الضمّ في أولِ اسمي ، أو أنهم لا يعرفون متى تكونُ التاء مربوطة ، لن أخلّف ابناً يكرهُ العربيّة ، ولا يعرف ما تعني مدوّنة ، ولا يستشعر قدسيّة ما كانت عليهِ التدوينة ، لن أخلفَ ابناً لا يمجّد الحرف ، أو أنه يرى الكاتب بعثرةُ مشاعر ، أو أنه ينظرُ لحرفٍ ما دونَ أن يبتسم ، أو أنه لن يكون كاتباً .


كلّ الذين دوّنت لهم هنا يوماً سيقرأون .




بعددِ أيامِ هذه المدوّنة – تمت .

الجمعة، 17 أبريل 2015

زهرةُ فرح !

زهرةُ فرح لم تُزهر ،
ولم تُثمر !
ظننتُ بخافقٍ مشتاقٍ أنها تُمطر
حسبتُ أن ربيعها باسمٌ كالفجر ..


زهرةُ فرحٍ لم تَكبر ،
ولم تبدو أن لونها أحمر !
و لم تكن كجمالِ الليلِ في بدرٍ !


زهرةٌ فرح صُدمت بما كانَ في الدّفتر
بائعٌ خضرةٍ متجولٍ في الشمسِ يهذي أنها تُثمر !
طفلٌ لكي يفرح يُفكر في شراء كراتٍ من البلوّر
أمٌ تناجي الليلِ في أبنائها قد تعبت من التفكير و التحضير !
جدٌ يكتبُ قصةً ستكونُ في غدٍ الأحلامِ و الذكرى
تشبهُ ربيعهُ المُمطر


زهرةُ فرحٍ كانت في غصونِ الفجرِ تشبهُ منظر البحرِ !
أحقاً يا ربيع الزهر ستجمعنا بعد الشَتات أقدارُ ؟
أم أننا نبقى مختبئين تحتَ الغيم في حذرٍ ؟


زهرةُ فرح ، لم تَكبروهيَ مكرمةٌ بوسطِ القصر !
أتحسبُ زهرتي أنها تحتاجُ ماء الذهبِ لا ترى فيه كَدر ؟
أم أنها تبغي الماء يرويها طوال الدهر ؟
لمَ يا زهرةُ الفرحِ لم تكبري كالشّعر ؟


أتراكِ تُشبهينَ الضوء ، بل طهرَ القمر ؟
و كأن شمس نيسان تقتبسُ من همسيكِ نور !
يا زهرةَ الفرحِ الجميل كوني كنجمٍ وسطَ السّحر !


أخاطبكِ بحرفٍ يقرأ لكِ الآياتِ و النذر
كفاكِ يا زهرةَ الفرح الربيعيّ الطّهور
كوني كهمسِ الحلمِ في حرفِ الفجر !
كوني كما أنتِ و كوني كباقي الزّهر
كفاكِ من المداحِ المُختصر !


يا زهرة الفرحِ ارتدي ثوب الصّبر
وغداً سيجمعنا القدر ..


يومان  و تُزهر فَرحتي  | التاسع عشر من نيسان .


الأحد، 12 أبريل 2015

عينيكَ حياة!


على ضوءِ القمر سارت الخُطى تباعاً ، أيادٍ بيضاء لا يمسّها شيء ، و الطهرُ معتّقُ في الأرواح ، على ضوءِ ذاك القمر همساً هادئاً يقول جميل ؟ فعلاً جميل !

على ضوءِ ذاك القمر الأحاديث الطويلة موشومةٌ في الجانبِ الأيسر من صدري ، احدّث الله عنها كلّ ليلة ، الأحلام التي نرويها معاً تحلّق بنا عالياً !

اكتمال البدرِ يشبههُ عينيكَ الأسرة ، العمق المخبوء فيها و الأحاديث المكبوتةُ داخلك ، بريق عينيكَ يحملُ الفَ معنىً ومعنى ، قصةً فارهةَ الجمال ، و ترفُ الحبّ داخلها !

عينيك أشبهُ بازدواجة طهر الياسمينِ برائحة المطر ، تشبهُ قطراتَ زهرِ بانعكاس الغيمِ بعد المطر، تشبهُ الأحلام حينَ استفاقت داخلك ، كالفجرُ أشرقُ في المدى يحملُ الفرحَ شغفاً داخلك !

ركزّ معي .. ادمج عينيّ بعينكَ اليمنى وقل لي ماذا حدث ؟ حينَ اللقاء و كلّ أحلام الحياة ، أأخبركَ سراً .. بسمتكَ حرفٌ وعيناكَ مثلُ مدوّنه !

صوتكَ آسرٌ وحروفَ شعركَ باسِمة ، أحلامكَ اليمنى تحويني بلطفٍ ، وكلّ نظراتكَ دافئة ، فتشتُ عن همسٍ يرددُ روحنا ، فوجدتُ صوتكَ و سكونُ عينكَ الآسرة ..

وكتمتَ في لغةِ العيون حوارنا ، فكانت ثواني الصمتُ هي الكاشفة ، هل لي حديثاً يروي الظمآُ في قلبي حكايا ليلةِ القمرِ المُفرحة .

خاطِب حروفي بالعيون ، احوِ أحلامي بدفءِ عينكَ حينَ تعبرني وتحملني بعيداً !

بسمتكَ فرحٌ وعينيكَ تأسر و روحكَ دفءٌ وكلكَ لي حياة .