الأحد، 9 نوفمبر 2014

تشرين الفجر الباسِم ( 9 )


أرسلت لي ذات مرة ( يجب عليكِ أن تتعودي على الفراغ ، على مرور اليوم دون صوت أو رسالة ، أو حتى وجهٌ يطلُّ عليكِ ، لكي لا تتألمي و تهنئي ببعض السّلام*)

لا أدري إن كانت محقةً في حديثها أم لا ، كلّ ما أدركهُ انها الرسالةُ الأخيرة بيني وبينها ، انه الهمسُ الأخير ، ورُبما كانَ الوداعُ الأخيرُ بيننا!

عليّ ان أدري ما معنى الفراغ ، ما معنى أن أبقى وحدي دونَ أن انتظرَ صوتَ رسالةٍ ما ، أو همسٌ ما هو ما يجعلُ يومي أجمل !

عليّ ان أخبئ الوجعُ الذي يأتي بعدَ الفراغِ فلا أتألم ، عليّ أن أعيشَ بسلام ، لأنها تخافُ عليّ ، تخافٌ كثيراً من وجعٍ قد يطفئُ نبراس بسمتي ، و تخافُ أيضاً من أن ابحث عنها فلا أجدها !

رفيقتي .. قد مرت أربعةُ أعوام لا أدري في أيُّ بقعةٍ من الأرضِ أنتِ ، ولا أدري كيفَ حالكِ حتى أنني لا أدري هل حققتِ الحلمَ الذي حدّثتني عنهُ كثيراً ، إنني يا رفيقة أفتقدكِ جداً !

أذكرُ رسالتكِ تلك ، و قد اعتدتُ الأمر لكنّ الأمرَ موجعٌ حقاً ، ألم تشتاقي أبداً ؟ ألم تفتقدي ، ألا تعني لكِ ذكرانا شيئاً ؟

اعتدتُ على الفراغ ، على المحيطِ الصامت ، على الصمتُ الطويل ، وعلى كلّ شيء ، اعتدتُ على العيشِ بسلام ، على التبّسمُ رغمَ كلّ شيء ، على شحذ همتي ، على أحرفي و قراءة الروايات ، اعتدتُ على كلّ التفاصيل التي لن يؤلمني ابتعادُ انسانٍ عنها فهيّ تعودُ إليّ وتعنيني وحدي ، تتجزءُ مني ، وتجعلني بخير ، لكنِّ لم أعتد على غيابكِ بعد !

لا زالَ مشهدَ القمر يذكرني بكِ ، و صوتُ البحرِ يذكرني بكِ ، لا زلتُ اضعُ سماعات الأذن ولا استمعُ لشيء مثلما كنتِ تقولي ستكونينَ بمأمنٍ هكذا ، بدأتُ أحسبكِ ملاكاً و اختفيتِ !

أتدرينَ يا رفيقة .. مرّت أربعةُ أعوام ، بحلوها ومرّها وهذه المرةُ الأولى التي سأذكركِ ، سأكتب لكِ ، سأستفيقُ بكِ ، ليسَ تجاهلاً بشيء ، سيشعرُ البعضُ وإن كان قريباً مني أنكِ غريبةٌ عنه .. لكنِّ يا رفيقة أفتقدكِ جداً!

أتدرين يا رفيقة أعلمُ أنّ البعدَ و إن طال لم يغير شيئاً بيننا ، أظنني سأكتب طويلاً حتى تعودي ..


سارة .. إن كنتِ تقرئين ، حادثيني رجاءً!

السبت، 8 نوفمبر 2014

تشرين الفجر الباسِم ( 8 )


أرسلت لي تشكو حالاً أنها تتألم ، أن أحدهم قد تغيّر عليها وهيَ تتوجع ، أن التغيّر مؤلمٌ بعد الإعتياد بشيء ، جميعُ آلام العالم في كف ، و ألمها هيَ في كفٍ آخرٍ حينَ تتألم ، رُبما كانت تتألم ، ورُبما أنا قد قرأتُ دفترَ مذكراتي فنسيتُ أنني نفسي.

دائماً حينما تسألني شغف لمَ نتعلّق بالآخرين أجيبها لأننا حمقى ، و لا زلتُ أؤمنُ أننا حمقى لأننا نتعلق بالآخرين ، الإعتياد على وجود الأخرين في حياتنا هوَ ليسَ بيدنا في الواقع لكنّنا مع ذلك نحنُ حمقى ، أن نحبَّ أحدهم ونتعلقُ به ليسَ خياراً متاحاً لنا وبالرغم من ذلكَ نحنُ حمقى!

تجاهلاً لحماقتنا الفذّة حينما يتعلّق الأمر بمشاعرنا لكنّ لا أجد المصطلح المناسب لأسمي من يجعل أحدهم يتعلّق به ثمّ يفرٌّ بعيداً ، من يوهمكَ انه يحملكَ لدربِ الجنّة ثمّ ببساطة يتغيّر عليك ، ما حصل لذاك الدرب ، أوَقد ملأته بالشّوكِ لتبتعد؟ أينَ الفردوس التي كنتَ توهمني بأنكَ تحملني إليها أتظنُّ أننا وصلنا و انتهى الطريق لتبتعد؟

لا أدري أيُّ كلمةٍ مناسبة لك لكنّ القرار ليسَ بيدكَ لتملؤنا بالرسائل ثمّ تبتعد ، عليكَ ان توفي بعهدك أيضاً لكي لا أقولُ لك ( إذا وعدَ أخلف ) ، و القرارُ ليسَ بيدكَ حينما تعلّق أحدهم بك ، إن شئت أن ترحل ، فارحل فالطريقُ أمامكَ لكنّ عليكَ ان تعطي أسبابك!

حسناً هيَ ليست شقة في مبنىً ما ، او جناحِ في فندق لتبقى فيه كيفما شئت ثمّ تنتهي ، وليسَ الأمر هو مجرّد مصلحةٍ ما وتمرّ ، أنت محاسبٌ على العبث بالمشاعر عليكَ إدراكُ ذلك.

ثمّ ماذا بعدَ أن تلوذ بالفرارِ فجأة و أنتَ قد رسمتَ طريقاً ما ؟ ثم ماذا تسمي نفسك؟ لمَ ؟ لا أظنني أحتاجُ إلى مبررٍ لكنّ الرسائل المُعلقة التجاهل الطويلة ، و القلب الذي مزّقتهُ برحيلك سيعودُ لكَ يوماً! 

حينما يترككَ احدهم ، حينما تتعلّق بأحدهم ثمّ يبتعدُ عنكَ لا تقولُ ماذا فعلتُ في حياتي ، راجع نفسك ، ليستَ دائماً طيبتكَ هي السبب!
أتدري ،، نحنُ حمقى لأننا نثقُ سريعاً ونتعلّقُ سريعاً احياناً ، لكنّ انتَ بماذا تشعر حينَ تبنى درباً للجنّةِ ثمّ تبتعدُ عنه ؟ ألا تشعرُ أنكَ ابتعدتٌ عن الجنّة ؟

ثمّ ماذا عن الذين يظلهم الرحمن في ظله يوم لا ظل إلا ظله؟


كلمةً أخيرة لك : أرجوكَ لا تُوجعها!

تشرين الفجر الباسِم ( 7 )

فجرَ هذا اليوم أيقظني منبه الثالثة في الواقع لم أكن نائمة كلياً لكنِّ انتبهت من عمقِ التفكير الذي ذهبتُ فيه، نزلتُ من غرفتي لأفتحَ الباب و أجلسُ مقابله ممسكةً بكتابٍ ما اقرأه ، بقيتُ حتى سمعتُ نداء الفجر و انتظرتُ الشروق لأخرج في باحةِ المنزل لأمشي، أشمُّ رائحةَ المطرِ من البعيد لاهمس (اسقنا يا الله غيثاً) في حينِ أنني كنتُ أتوّجعُ بحرقةٍ همست اسقني يا الله الحرفَ غيثاً ، تراجعتُ لأقرأ تلكَ التدوينة أستعيدُ ذكرى كتاباتها ، وقرائتها وكلّ التفاصيلَ فيها ، بقيتُ تحتَ الغيمِ اقرأ رواية حتى طُلب مني العودة إلى فراشي لأرتاح!

كنتُ أوقنُ أنّ جسدي مُرهق ، ولكنِّ لا أعلمُ كيف أنام والوجعُ يعصرني بحرقة ،عدتُ إلى فراشي لأتقلّب مطولاً حتى غفوتُ لا أدري لكم ساعة لكنِّ صحوت على صوت النخلةُ وهي تحتكُ بنافذةِ غرفتي ، فتحتُ الستائر و النوافذ أتألم منظرَ السحابِ المُهيبُ ذاك ، تذكرتُ حينها أنكَ تحبُّ الغيم همستُ للسماء امطري و اغسلي أوجاعنا ،أظنني بقيتُ هناك شاردةَ الذهنِ حتى رأيت القطرات الأولى من المطر ،أسرع لغلق النوافذ و الستائر لننزل لباحةِ المنزل نلعب ،حسناً إننا لا نلعب إلا حينَ يهطل المطر ،تبللتُ وتبللت كلّ شعرةٍ مني ،تبللتُ مطولاً لتنهرني أمي لأدخل بداخل المنزل تقولُ لي ستهلكينَ بالحمى ،انظر إليها لأقول أنا بخيرِ لأعطسَ العطسةَ الأولى حسناً بدأت ردات الفعل في جسدي ،أبقى أتأمل المطرُ من النافذة لأشرد بعيداً ،بعيداً جداً أظنني وصلتُ إلى السّماء حينها!

أمسكتُ بدفتري لاكتب : " أيها المطر ، لا أدري إن كنتَ عابراً من هنا أم باقياً تنهمر ، لكنّ باللهِ عليكَ ، أغسل كلّ أوجاعي ، طهّرني من كلّ فيّ ، ادمل جروحي التي بقت داخلي .

أيها المطر ، هطلت من السّماء فأخبرني كيفَ هيَ السّماء أتبدو أجمل عمّا نحنُ فيها ، ام نحن في جمالٍ لا ندركه ، أيها المطر ، أنا أعلمُ السعادات التي تهبها ، و أعلمُ انكَ غسلتني من كلّ وجع ، لكنّ أتدري سأحادثكَ بصمتٍ هذه المرة "

حدثتهُ طويلاً حتى جفّ الحديثُ مني، أظنني اكتفيت ، و أظنه قدّسَ كلّ شيء فيّ ، أظنني و أظنّ أنّ المطر أجمل من كلّ شيء .

أتدرون ، انهمرَ مطراً غزيراً حتى سمعنا أصوات البردّ على نوافذنا فظنناها ستُكسر ، لم أنسكم من الدعاء لحظة.


ثمّ أظنني ابتسمتُ بعمق ، نعم لأجلك ابتسمت!

تشرين الفجر الباسِم ( 6 )


أخبرتني ألا ألتفتَ للمحبطينَ ذاتَ ليلةٍ قمريّة أليسَ كذلك ؟ حادثتني و همست في أذني لتكوني أقوى من كلِّ شيء مررت بأكثر من ذلك سابقاً أليسَ كذلك ؟ ربّتَ على كتفي لتقنعني أنني بخير و أنني أقوى من كلّ شيء ، نظرتَ إليّ بثغرٍ باسم لتطلب مني أن ابتسم ، لكنّ الوضع لم يكن مناسباً تماماً !

أتدري لم أعتد على الإلتفات للمحبطين ، ولم أعتد حتى أن ألقي بالاً لأحد ما دمتُ مدركةً أنِّ لم أتخطَ حدودَ الدين و لا العادات ، ولم أعتد على التألم من وضعِ حرفي في مهزلةٍ كتلك!

رُبما ما حدثَ ليلةَ أمس كان درساً لي ، درساً عميقاً جداً ألا أثق ، في الواقع أنتَ تدري أنني أكثر المؤمنينَ بحرفي ، وأنني لستَ من أعتبر الحرف مجرّد حرف فهوَ ينتمي إليّ بشكلٍ من الأشكال ، وأنه جزءاً مني و كأنّ الحرف احد ابنائي المدللين ، إنه أقرب إليّ من نفسي كما تدرك!

أنتَ تدري أن حديثُ أحدهم في حرفي لن يضرني ويسعدني النقدُ و أنني أدركُ جيداً أنني من أسوأ متعلمي النحو ، فأعلمُ أنني والنحو لم نكن أصدقاء يوماً و أنه يكرهني مثلما أفعل ، لكنّ السخريةُ امرٌ جارح !

السخرية بأبنائي المدللين أمرٌ قاسٍ عليّ مزّق قلبي مراراً و تكراراً ، اخبرتكَ أنني محبظةٌ كوني المشجع الأول لهم بينما هم أول المحبطين لي ، و أن الأمر قاسٍ جداً !

إنهم كشوكةٌ في حلقي ، يخنقوني ببطء و الأمرَ موجعٌ جداً ، ومع ذلك إيماني اليقين بذاتي سيجعلهم يدركونَ حتماً من أكون ، أقلها لن يستهينوا بي بعد ذلك !

العزلة ، لو تدري ما معنى العزلةٌ داخلي ، و الوجعُ المخبوء خلفَ ذاك السّهر الطويل ، التقلّب الطويل في الفراشِ اختباءً من كلّ شيء ، واحتضاني لحرفي و سكوني ، أتدري أنني قد انعزلتُ عن هذا العالم ، أني لا أحادث أحداً ولا احدَ يحادثني بشكلٍ خاص ، ستجدني و تراني أضحك هُنا وهناك لكنِّ في الواقع لا أحادثُ أحداً ولا أرغب بذلكَ أصلاً ، لو لم يحادثني أحدٌ لما اشتقت و أني لا أبادرُ بالحديث ، إنني بخيرٍ جداً ، بخير عميقاً ملء ما بينَ السماء و الأرض .


عليكَ ألا تقلق عليّ فأنتَ تدري أنني سعيدةٌ جداً ، وإنني الآن سأكتب رسالة خُطّ عليها : هل أنتَ بخير ؟

الخميس، 6 نوفمبر 2014

تشرين الفجر الباسِم ( 5 )


أهلاً ، أظنني أنا الوحيدةُ التي لا تستطيع التعبير عن مشاعرها فأنا الأسوأ في ذلك ، الأسوأ في المواساة و النصح و التعبير عن المشاعر ، ومع ذلك أشعرُ أنني أكثرُ من يأتي الأصحاب إليها ليسألون عن نصيحةٍ ما ، أو يبوحون لي لأجلِ المواساة ، لكنِّ أعلمُ أنني دائماً أواسيهم بسورة يوسف ، أذكرُ أنني أذكرُ ذاتَ مرةً احتضنتني حينما بكيت وقالت لي رددي سورة يوسف ، رددتها حتى حفظتها من الألم ، أصبحتُ أحفظها عن ظهرِ قلب بسبب ذاك الألم ، أوقن أن الكثير سيفعلون لو رددوها من كلّ وجع!

لا زلتُ أذكرُ تلكَ المرة التي أمسكتني لتعطيني كفاً قد هزّ كلّ خليةٍ فيّ جعلتني أبوحُ بكلّ ما فيّ مرّ عام على تلكَ اللحظات ، ورُبما أكثر من عام ، و أذكرُ أنها من المرات التي بحتُ فيها لشخصٍ ما لا أعلمُ أنني لا يمكنني التعبير عن مشاعري أبداً ولا يمكنني أبداً أن أنظرُ لعينيّ شخصٍ ما و أخبرهُ بما يجولُ في خاطري ، رغمَ أنني كثيرة الحديث ففي الواقع لستُ هادئة أبداً و لستُ من الأشخاص الصامتين عادةً إلا أن الأمر حينما يتعلق بأمرٌ يخصني فبإمكاني أن اكتب روايةً أصفُ فيها شعوري لكنِّ لن أبوح بحرف أمامك أكثر النّاس الذين يعرفونني جيداً هُم مدركين أنني أجيدُ حديث الأحرف أكثر الرسائل الطويلة و الأحرف الغامضة ، و الفلسفات الغريبة ، ورُبما شغف هيَ أكثر من تشاطرني هذا الأمر. 

آه ، و تجولُ في خاطري تلكَ الذكرى حينَ نظرَ إليّ دونَ ان يتقرب مني حتى ويقولُ لي لستِ بذاك الضعفِ ابداً لا تتوهمي ، ذاك الحديثُ يا عزيزي و خطابكَ ذاك أظنه الداعم الذي بناني ، و أظنها عكازة الوجعِ التي اتكئُ عليها كلما توّجعت وحينَ تنظرُ إليّ وتقول أصبحتِ غامضةً جداً ، أدركَ أنك بنيتني هكذا وأساسي كان هذا فلا تظنُّ أنني سأتغيّر!

بالمناسبة أنا أسوأ من يضع الخطط اليومية ، ومن يحقق الأهداف اليومية ولا أضعها عادةً لكي لا أشعرُ بالفشل ، لكنِّ أحاول جاهدةً كتابة هذه الرسالة كلّ يوم ، عموماً سعادتي اليوم لا توصف لأني بقيتُ مع أحدى الصديقات التي لم أرها منذ سنوات ، و تحاورنا كثيراً ، وسعيدةٌ أيضاً لأن أبي قال لي أنه فخورٌ بي ، وسعادتي أكبر لأني حصلتُ على نسخةٍ خاصةٍ بي من كتاب (لماذا نكتب؟) بعد عناء البحثِ عنها.

الاثنين، 3 نوفمبر 2014

تشرين الفجر الباسِم ( 4 )


مرحباً ، أودتُ أن أقول لكَ امراً :
أنتَ لستَ مثلما عرفتكَ قبل عام ، ولستَ مثل ما تعرفُ نفسكَ قبل أعوام ، أنتَ تنضج وتكبر مع هذه الحياة ، تمرَّ بالظروف الدنيويّة التي تغيّرك و تحيلكَ لمخلوقٍ آخر شيئاً شيئاً ، وبعد أعوام رُبما أصادفكَ حينها ولن أعرفك ، أنت – تُخذل ، تُكسر ، تُترك ، تنجح ، تنجز ، تحلم – و تحلقُ عالياً في المدى بعيد ، هذه الإختلافات حتميّة ينهض عقلكَ ، وتنهضُ العقولُ من حولكَ رُبما ليست بالسرعةِ نفسها لكنّكَ حينها ستعاني ، ستعاني من الفراغ بينَ عقلك وبين العقول التي تتعامل معها أحياناً ، و في أحيانَ أخرى ستصدم من كيفية عمل هذه العقول!

أظنكَ الآن قادر على إدراك أننا لم نُخلق لنكون مثلما خُلقنا حينَ نموت ، نحنُ نتغيّر في السنّة آلاف المرات ، نُغلق الستائر ، و نفتحُ ستائر آخرى قد يُشرقُ منها النّورُ للجنّةِ ويحملنا بعيداً !

عليكَ أن تدرك أنكَ إن لم تتغيّر هذا العام فأنت حتماً أضعتَ عاماً من حياتك ، و إن لم نخلق لنتغيّر وننضجُ مع هذا العام فأخبرني ما الحكمة من كوننا نعملُ للجنّة أو حتى نتنفسُ لأجلها !

أظنكَ حينَ ترى الشيب في شعرِ والدك ستدركُ كم نضج والدكَ مع الحياة ، وحينَ يحادثكَ بحكمة ستدركُ ما معنى أنه كبرَ كثيراً مع هذه الحياة و تغيّر أكثر و أكثر .

نحنُ لم نُخلق لنبقى أطفالاً بقلوبٍ لا تحملُ من الحياة سوى همّ الحصول على الحلوى ، ولم نخلق لنكون حزينين ، أظننا خُلقنا لنزهر !

و أظنّ أن البعضَ خلقَ بستاناً زاهراً في هذه الحياة ، أستطيعُ استشعار رائحة الياسمين كلما اقتربتُ منهم ، و أؤمن يقيناً انهم معنا إلى الجنّة !

عليكَ تماماً أن تدركُ أن هذه الحياة موصولةٌ إلى الجنّة ، مهما تغيّرت أشكالنا وصفاتنا ، وأحلامنا ، تلخبطت مشاعرنا ، وتحطمت بعضها ، و عاشت بعدها ، و أزهرت قلوبنا يبقى روضُ الجنّة هو كلّ ما سيجمع الشتات فينا !

أظنُّ أن الآن عليكَ أن تبتسم و أنتَ تتغيّر مهما كانت الظروف ومهما تغيّرت أشيائك و مشاعركَ و التفاصيل من حولك ، فغداً ستكون روايةً تحكيها ل أحفادك كلما قاست لها الحياة !

خُلقنا لنتغيّر لا لكي يوجعنا التغيّر ، و أدركُ يقينا أننا خُلقنا لتكونَ على ضفافِ الجنّة لقائاتنا الأزليّة بسعادةِ دائمة!


تشرين الفجر الباسِم ( 3 )


لم أستطع مقاومة البكاء العميق بعد أن قال لي (أثقُ بكِ جداً) ، و كأني كنتُ أشعرُ أنه كان يبكي في الوقت الذي كان يقولُ لي فيه (سامحي تقصيري) ، لكنِّ لم أستطع أن أكافحُ الدمع و أنا في أفكر في الثقةِ التي يمنحها إياي ، و كأن الخوفَ من خذلانه أصبحَ يؤلمني ، و الخوفُ من الفقدِ كذلكَ يقتل !

تلكَ الثقة المتبادلةُ بيننا هيَ كلّ ما يؤلمني ، فأخافُ أن تشرقُ شمسُ الغدِ و وجعِ الأمسِ لم يُمحَ ، سامحي تقصيري ، لا أدري حقاً لمَ يطلبُ السّماح من ذنبٍ لم يرتكبه ، و كأنه قد لامسَ الدمعُ حينَ كنتُ أهذي: (حينَ أموت ، ترتيبةُ الكتف لكلّ الأصدقاء للتخفيفُ عنهم ، الأحلام التي أبنيها معهم ليكونوا بخير ، الأحرف التي كانت تواسيهم ، الأحضان الفجرية في مدونتي كلّ يوم ! و أحرف المواساة و مسح الدمع لتخفيف آلام فقدهم ، وكلّ تلكَ التفاصيل .. فإنني كنتُ أحتاجُ مثلها أكثر و أكثر ، لكنِّ لا أجدها ، حقاً لا أجدها) .

أتدري ما كنتُ أعنيها رُبما ، فخروجي من الإمتحان لأقضي خمسٌ وثلاثونَ دقيقة في حوارِ طويلِ مع سحابة بالهاتف ، أو سماع صوت صديقةِ الطفولة وقتها هو كلّ ما أحتاجه لأكون بخير ، أتدري أنني أقوى من أن أحتاج لأحدٍ أي يربتَ على كتفي ، أو إلى حديثٍ يخففُ ما بي ، في الواقع أنتَ تدري أنني لستُ أحتاجُ ل أحرفٍ أحدهم تخفيفاً عمّا بي ، لأنني أكتفي بحرفي كلما احتجتهُ وجدتهُ مخطوطاً بشغفٍ لأجلي !

أتدري ، وإنني أدركُ يقيناً أنكَ تدري أنني أقوى من كلّ هذا ، أقوى من البوحِ و البكاء أمام أحدهم ألماً ، و أنني أقوى من كلّ الأمور التي لا أحتاجها أصلاً ، لا تحزن و لا تظنُّ انكَ مقصراً بحقي ، فثقتكَ بي ، تُغنيني عن كلّ ما يحتاجُ الأخرون من أمورٍ تمضي ، ولا نلقي لها بالاً !

أتعلم ثقتكَ بي ، ووقوفكَ بالدّعاء بجانبي كل حين تغنيني عن تربيتةُ الأصدقاء ، وعن أحرف المواساة ، وعن الأحاديث الطويلة و مسحُ الدموع !

لكنّها لا تغنيني أبداً عن الأحلام التي نبنيها معاً ل نكون بخير ، كما قلتُ سابقاً (أنا حينَ أسميتكَ صديقي كنتُ أعنيها بحقّ).

عذراً نسيتُ أن أقول مرحباً، رسالتي خُصصت لكَ ربما!

ليت أحدكم يدركُ عمقها، فيُزهر