الثلاثاء، 19 أبريل 2016
الأحد، 20 مارس 2016
رسالة
إلى زميلي الذي يظنُّ بأنني حمقاء و أنني أغبى من على هذه الأرض ، سأخبرك أن هذهِ الرسالة لكَ من أول حرفٍ لها لآخر حرف ، وأني لن أندم عليها .
عمومُ الخطأ لا يعني جوازه ، ووجود شخص واحد في طريق الحقّ وحيداً لا يعني أنهُ هو على خطأ ، اختلاف التفكير و النظرِ للأمور لا يعني أن الفكرَ المختلف هو الخطأ ، اختلافُ زوايا النظرِ لا تجعل من الزاويةِ العمياءِ وإن كانت غالبةً بصيرة .
لتحمل على عاتِقكِ رسالةً كانت ستكونُ في طيات الذكريات لو أن الذين سبقونا ما جاهدوا وصبروا و اصطبروا عليها ، ولو أن المئات لم يموتوا في سبيلها لما بقت موصولةٌ إلينا ، و لو استسلم الصحابةُ بينَ يدي بني قريش لما كان الإسلام نوراً يهتدي بهِ الناس قرونا و دهورا .
إنك في حياتكَ قد تصاحب الصالح و الطالح ، و قد تبتعد عمّن يسوء صيته بين الناس خوفاً على نفسكَ من الوقوع في دائرةِ الحيرةِ و التيه بسببه ، وإنك لتقرأ القرآن فجراً و تصاحُب إمام المسجد الواقع بجوارِ مسكنك ، وقد تمضي يومكَ بين كتبِ الإسلام و الآداب و تبقى مع أهلك تقرأ القرآن و تذكر الله أناء الليلِ وأثناء النهار لكنكَ تبقى بوجهٍ جامدٍ أمام المنحرفين عن طريق الله .
إنك قد تشهد أخاكَ يسرق و تقولُ " إن الله يهدي من يشاء " ، وترى صاحبكَ يمارسُ الرذيلة و تلفُّ عينكَ عنه كأنكَ لم ترى ، و تسمعُ تأتأةِ الطلبةِ في وسطِ قاعةِ الإمتحان ثمّ تتجاهلُ كأنك لم ترى ، وترى ما يغضبُ الله أمامكَ و أمام ناظريكِ ويمرُّ خلالكَ وبين يديكَ ثمّ تتجاهل كأنك لم تكن ، و كان ما يحدث لا يمسك بأي شيء ، ألا تغضب على دينك ؟ ألأ تغار ؟
إنني و إن كنتَ لا تغضب فإنني أغضب ، وإن كان ضميركَ ميتاً فضميري لا زال يتنفس ، وإن كان قلبكَ لا يمسك بأي ألم فقلبي يوجعني أشدُّ أنواع الألم ، و إن كنتَ تنامُ الليلَ مرتاحاً مطمئناً غير مبالٍ بما يدور حولكَ فأنا أُبالي ، أنا مع الحقِّ أينما كان ولو كنتُ وحدي ولو كان الطريقِ مثقلاً بالوجعِ و الشوكِ و الحصى .
" من قال أن طريقَ الجنّة مغطىً بالورود ؟ " من قال أن الشوكَ لا يرميك وأن الدمع لا يمسّك و أن روحكَ لا تموتُ ألفَ مرةٍ حتى تصلَ إليها ، من قال أنكَ لن تمسكَ بدينكَ كالقابضِ على الجمرِ حتى تستفيق ، ومن قال أنك لن تمضي الليل حيراناً كيف ترضي الضمير .
عزيزي زميلي الواعي : إن كنتَ ترضى أن تبقى بذاك الحمق فأنا لن أرضى به ، أنا لن أصمت تجاهِ الباطلِ ولو اجتمعت الأنسُ والجنُّ عليهِ ضدي ، و أني عن طريق الحقِّ لن أنثني ، وإني لن أتعاون على الإثمِ مع أحد ولو كان جزءاً مني .
أنا لن أكون خرقةً باليةٍ على هذه الأرض ، ولن أرضى أن تكون كذلك وإن رضيتَ لنفسك ، أنا لن أقبل بمريضٍ بين يديكِ ظمآنٍ أسف ، و أنت بينَ ضحكةٍ و ترفٍ في النعيم مُستقر ، تترنمُ بالغناءِ و العويلِ في يومٍ سعيد ، و أهلُ المسكينِ في صياحٍ و نواح ، و كلّ العالمِ واقفاً بينَ يديكِ لتعتذر ، لكنكَ " كنتَ ميتاً في بحورِ الإثمِ و الغيِّ غريقاً " ، ساقكَ الشيطانُ طمعاً في الدنيا و بعتَ الدينِ رخصاً كالترابِ ، و سمعتَ بتواترٍ عن خيرِ خلقِ الله إنكَ لستُ منهُ ، لكنكَ غارقٌ في طمعِ ذاتك .
حدّ الصمتِ قبل الإنفجارُ يمؤلني العتابِ لكنِّ فعلتُ ما كان عليّ فعله قبل أشهرٍ طويلة ، وفعلتُ ما أراحَ ضميري و تركني أنامُ مطمئنا ، ولا أندمُ أبداً مهما ثقُلت عليّ النظرات ، وكثُرت خلف أذني الشوشرات ، يا رب طريقِ الإيمان الحقِّ اهدني إليهِ و إياهم .
زميلي الصالح الفاسِد : لأقعدنَ أنادي بالصراطِ المستقيم إن كنتَ تأثم ، ولأسهرن الليل في همسٍ إلى الله اسأله الهدايةَ لك ، ولأشربنَ العلمَ بحراً مالحاً لن أنثني ، ولأسالنّ الله حقّ خلافةٍ في الأرض لن أيأس ، ولأرمينّ الزهرَ في وجهِ شوككَ كلما ترمي ، ولأزهرنّ اليوم و غداً كما الأمس آبدا .
إن كنتَ وجدتَ نفسكَ بين أي سطر فأنت مَقصود .
اللهم علّمني ودلّني للصواب ، أرشدني حتى أفهمُ و أنتفع ، حتى لا يموتُ بينَ يدي مريض و أموتُ بعده ، دلّني لليقينِ حتى أنامُ مطمئنا .
عمومُ الخطأ لا يعني جوازه ، ووجود شخص واحد في طريق الحقّ وحيداً لا يعني أنهُ هو على خطأ ، اختلاف التفكير و النظرِ للأمور لا يعني أن الفكرَ المختلف هو الخطأ ، اختلافُ زوايا النظرِ لا تجعل من الزاويةِ العمياءِ وإن كانت غالبةً بصيرة .
لتحمل على عاتِقكِ رسالةً كانت ستكونُ في طيات الذكريات لو أن الذين سبقونا ما جاهدوا وصبروا و اصطبروا عليها ، ولو أن المئات لم يموتوا في سبيلها لما بقت موصولةٌ إلينا ، و لو استسلم الصحابةُ بينَ يدي بني قريش لما كان الإسلام نوراً يهتدي بهِ الناس قرونا و دهورا .
إنك في حياتكَ قد تصاحب الصالح و الطالح ، و قد تبتعد عمّن يسوء صيته بين الناس خوفاً على نفسكَ من الوقوع في دائرةِ الحيرةِ و التيه بسببه ، وإنك لتقرأ القرآن فجراً و تصاحُب إمام المسجد الواقع بجوارِ مسكنك ، وقد تمضي يومكَ بين كتبِ الإسلام و الآداب و تبقى مع أهلك تقرأ القرآن و تذكر الله أناء الليلِ وأثناء النهار لكنكَ تبقى بوجهٍ جامدٍ أمام المنحرفين عن طريق الله .
إنك قد تشهد أخاكَ يسرق و تقولُ " إن الله يهدي من يشاء " ، وترى صاحبكَ يمارسُ الرذيلة و تلفُّ عينكَ عنه كأنكَ لم ترى ، و تسمعُ تأتأةِ الطلبةِ في وسطِ قاعةِ الإمتحان ثمّ تتجاهلُ كأنك لم ترى ، وترى ما يغضبُ الله أمامكَ و أمام ناظريكِ ويمرُّ خلالكَ وبين يديكَ ثمّ تتجاهل كأنك لم تكن ، و كان ما يحدث لا يمسك بأي شيء ، ألا تغضب على دينك ؟ ألأ تغار ؟
إنني و إن كنتَ لا تغضب فإنني أغضب ، وإن كان ضميركَ ميتاً فضميري لا زال يتنفس ، وإن كان قلبكَ لا يمسك بأي ألم فقلبي يوجعني أشدُّ أنواع الألم ، و إن كنتَ تنامُ الليلَ مرتاحاً مطمئناً غير مبالٍ بما يدور حولكَ فأنا أُبالي ، أنا مع الحقِّ أينما كان ولو كنتُ وحدي ولو كان الطريقِ مثقلاً بالوجعِ و الشوكِ و الحصى .
" من قال أن طريقَ الجنّة مغطىً بالورود ؟ " من قال أن الشوكَ لا يرميك وأن الدمع لا يمسّك و أن روحكَ لا تموتُ ألفَ مرةٍ حتى تصلَ إليها ، من قال أنكَ لن تمسكَ بدينكَ كالقابضِ على الجمرِ حتى تستفيق ، ومن قال أنك لن تمضي الليل حيراناً كيف ترضي الضمير .
عزيزي زميلي الواعي : إن كنتَ ترضى أن تبقى بذاك الحمق فأنا لن أرضى به ، أنا لن أصمت تجاهِ الباطلِ ولو اجتمعت الأنسُ والجنُّ عليهِ ضدي ، و أني عن طريق الحقِّ لن أنثني ، وإني لن أتعاون على الإثمِ مع أحد ولو كان جزءاً مني .
أنا لن أكون خرقةً باليةٍ على هذه الأرض ، ولن أرضى أن تكون كذلك وإن رضيتَ لنفسك ، أنا لن أقبل بمريضٍ بين يديكِ ظمآنٍ أسف ، و أنت بينَ ضحكةٍ و ترفٍ في النعيم مُستقر ، تترنمُ بالغناءِ و العويلِ في يومٍ سعيد ، و أهلُ المسكينِ في صياحٍ و نواح ، و كلّ العالمِ واقفاً بينَ يديكِ لتعتذر ، لكنكَ " كنتَ ميتاً في بحورِ الإثمِ و الغيِّ غريقاً " ، ساقكَ الشيطانُ طمعاً في الدنيا و بعتَ الدينِ رخصاً كالترابِ ، و سمعتَ بتواترٍ عن خيرِ خلقِ الله إنكَ لستُ منهُ ، لكنكَ غارقٌ في طمعِ ذاتك .
حدّ الصمتِ قبل الإنفجارُ يمؤلني العتابِ لكنِّ فعلتُ ما كان عليّ فعله قبل أشهرٍ طويلة ، وفعلتُ ما أراحَ ضميري و تركني أنامُ مطمئنا ، ولا أندمُ أبداً مهما ثقُلت عليّ النظرات ، وكثُرت خلف أذني الشوشرات ، يا رب طريقِ الإيمان الحقِّ اهدني إليهِ و إياهم .
زميلي الصالح الفاسِد : لأقعدنَ أنادي بالصراطِ المستقيم إن كنتَ تأثم ، ولأسهرن الليل في همسٍ إلى الله اسأله الهدايةَ لك ، ولأشربنَ العلمَ بحراً مالحاً لن أنثني ، ولأسالنّ الله حقّ خلافةٍ في الأرض لن أيأس ، ولأرمينّ الزهرَ في وجهِ شوككَ كلما ترمي ، ولأزهرنّ اليوم و غداً كما الأمس آبدا .
إن كنتَ وجدتَ نفسكَ بين أي سطر فأنت مَقصود .
اللهم علّمني ودلّني للصواب ، أرشدني حتى أفهمُ و أنتفع ، حتى لا يموتُ بينَ يدي مريض و أموتُ بعده ، دلّني لليقينِ حتى أنامُ مطمئنا .
الأربعاء، 24 فبراير 2016
معطفٌ أبيض - 3
قالت لي : أنا لا أجبر أحداً
للاستماع إليّ ، إن كان يريد فله ذلك و إن كان لا فهوَ حُر .
أمام ناظريّ شيءٌ من الدهشة و أنا أسأل لنفسي كيف لنا ألا نسمع ، كيف
للبعضِ وبكلّ وقاحةٍ أن يخرّج هاتفه و الطبيب أمامه يتحدث عن حياةِ شخصٍ كان على
وشكِ الموت ، أو أنه يحاول الآن تقبّل فكرة الرحيل ، وأن أهله يكفكفونَ دموعهم في
الخفاءِ متظاهرينَ بشيءٍ من القوّة ، علّه يتمسك بشيءٍ من الأمل .
كيف لنا أن نتجاهل ملامح الإندهاش في وجوهنا و نحنُ نقوم بعدِّ مئات
الخلايا التي في غير موقعها لأن صاحبها في المرحلةِ الأخيرة من اللوكيميا ( سرطان
الدم ) ، كيفَ لقلوبنا أن تتحمل تلكَ التشوّهات و ذاك الكمّ الهائل من الوجعِ أمام
ناظرينا ، وكيف لنا و بكلِّ غباءٍ أن نغشّ في محاولةِ غسل خلايا الدمِ الحمراء و
لا ندري أن مريضٍ سيموتُ جراء هذا الفعل من محاولة تجاهل شرح المسؤولة عن المختبر
، وكيف لا نفكر أننا قد يكون بين يدينا دمِ الأقربُ لقلبنا ، وهو يحاول مقاومةِ
الوجع بعد السقوط أمام أعيننا .
كيف يُمكنني ألا أبكي وأنا أسمعه يقول لابنته " اشتقتُ إليكِ ليتني الآن معكِ لكنّ لا تقلقي
طلابي يحبونني ويحترموني " وهو الذي يصمت طويلاً في انتظار الطلبةِ أن
يتوقفوا عن اللغو و الضحكِ الساخر على كلّ ما هبّ ودبّ ، كيف لنا أن نسخّر أنفسنا
ونصبر و نصطبر على كلّ ما يمرّ علينا ، إن
الوجعَ أعمق ونحنُ نرى تفاصيل التفاصيل مكبرةً آلاف المرات و هي مخبئةِ بشكلٍ ما
لألا تكون ظاهرةٍ فتوجع ، فأيُّ قلبٍ يكادُ يحتمل الألم موشوماً على كفيّه .
إنهم لا يُجبروننا على الاستماع إليهم لكنّنا نبقى هناك محدقين بعينينِ
ناعستين تحاولُ مقاومة كلّ أساليب التشيت لندوّن كل كلمةِ خلفهم حتى لا نقتل
مريضاً بينَ أيدينا ، إنهم يجبروننا بما يقولون أن نبقى مستمعين لآخرِ دقيقةٍ في
المحاضرة ، ولآخر محاضرةٍ في المقرر ، إنهم يجبروننا أحياناً دون أن نشعر أن نسكب
الماء من قارورته على ملابسنا في محاولة التوفيق بينَ الشربِ و الكتابةِ و التركيزِ
في آنٍ واحد ، إننا مجبرون دون أن يرغمنا أحدٌ على فعلِ ذلك .
يُخبرنا ويقول لنا بكلّ ألمٍ أن العلاجَ معدوم ، أن على المريض أن يستعدّ
للموتِ على كفنٍ من الوجعِ بعد حربٍ مع المرض ، و أننا على يقينٍ أن الأهل فيما
بعد عليهم التعامل مع ذلك و تقبّل الرحيل في أوجعِ العُمر ، ويخبرنا أن السبب
مجهول و كأنه بطريقةٍ ما يقول أننا فعلاً لا ندري ما قد يسبب المرض ، وحتى مع
الأسباب الواردةِ امامنا فإننا لا نستطيع أن نُجزم أنها السبب .
ألا تعرف ما يحصل هوَ ما يُسقطكَ في متاهاتٍ من الحيرة لكن أن تعرف هُناك
شيءٌ من الحزنِ يجعلكَ من تبلدٍ من الشعور ، أو شعورٌ أعمقُ من الحزنِ ذاته ،
يمنعكَ من البكاء لكنّه لا يُضعفك ، بل يُظهركَ بقوةٍ من حديد ، أو أنكَ أصلبُ من
الألماس ، بطريقةٍ ما أنتَ صلبٌ هش لا يمكن تمزيقكَ حتى ، أو أنه لا يُمكنك البكاء
.
كيفَ رحلت جدتي وأيُّ ذاك الذي كان يحيطُ بدمها بشيء من الموتِ و كيف أنني
في كلّ مرةٍ أتأمل بها تلكَ الخلايا أشعرُ بالسوءِ من موتِ جدتي دون أن أشعر
بوجعها ، دون أن أبكي معها ، و دون أن أقاوم معها ، فأهرب في محاولةِ شربٍ الكثير
من الماء و البقاءُ بالكثير من الصمت .
إننا ندفعُ كلّ يوم ثمنَ ذلك المعطف الأبيض ، ثمنَ الألمِ الذي ندري أنه
هناك في أحدٍ دون أن نشعر به ، ثمن مقاومة المريض وحده ، و ثمنِ الطبطبةِ على
البؤسِ بدعاءٍ عميق ، إننا ندفعُ ثمن أننا نعرف و نريدُ أن نعرف بالتمسكِ بالنور
من ظلماتِ الحلم ، و إننا ندفعُ ثمن الشعور الأعظم الذي يُخالطنا ، أن الله العظيم
خلقَ بعظمة ، سوى الإنسان و أحسن صورته و أخبرنا في كتابه " ولقد خلقنا
الإنسان في أحسنِ تقويم " ، أخبرنا بكلّ التفاصيل لكننا بالكثير من الجهلِ
وقليلٌ من المعرفة ، معرفةِ كلّ ما خلفَ المعطف الأبيض الذي ينادينا كلّ مرة :
هيتَ لكَ أنكَ رغبتَ بي ، و أقول أنني أجبرتُ لأنني أحلم .
( اللهم اشفِ المسلمين و المسلمات ، وكلّ من توجعِ في الظلمات ،
شفاءً لا يغادرُ سقماً )
-
شُكراً لمن ألهم .
الاثنين، 4 يناير 2016
لكَ اللهم قلبي
إلى الذي توقف عن
الكتابةِ رغم حاجته إليها ، إلى من لا يعرف ما سيكتب لكنّه كان يكتب ، أنا أنضم
إليك بالكلام الطويل الذي لم يُكتب .
أنضم إليك بالحديث
المزخرف الذي لا أعرف كيف أقوله ، بأحاديثي الطويلة مع الغرباء العابرين ، بالمضي
قدما في هذه الحياة ، بعد أن ننسى كلّ ما
رحل ، ونقدّر الموجود .
كلّ شيء وُلد مع
المطر ، كل الفرح و البهجة ، و إندلاع الحياةِ داخلنا ، كله أتى مع المطر ، حتى
الصمت الطويل انبثق منه حديثٌ مفصّل بحب .
و أنت بعيدٌ جداً
دون أن أعرفك حتى ، أو أننا نتصادف أحياناً دون أن ندرك أننا نحن الغرباء الذين لا
نعرف أنفسنا ، و نتصافحُ في دروبِ الحياة ، نهدي بعضنا طمأنينةً بلطافة العالم ، و
نضمُّ بعضنا في دعواتٍ تطوّق الأمل ، و تهدينا الفرح بعد أن نتجرّعُ لوعة الألم .
و أنا أرى رحماتٌ
تتساقطُ علينا من السماء لتسقي الشجرةُ التي وَهنت بعد أن تساقطتُ كلّ أوراقها ، و
بقت تحتضن وريقاتها الجافة بينَ أذرعها بدفء ، و كأن الحياة ستهضمها إن لم تحتويها
، وتموت .
أدركتُ يقينا أن
كلّ الغرباء الذين صافحوني ذاقوا من لوعةِ هذه الحياة ، أم أنهم حملوا أثقالاً
ضعفَ أثقالي التي أبكتني ضعفاً ، و أني ضعيفةٌ جداً أمام صفعات الحياة ، مشتكيةً
من الوحدة رغم دفء الأحضان التي تجبر كلّ وجع ، و أنارت ليلةً مظلمةً مشبعةً
بالبرودة القارسة .
و كان الليلُ رؤوفا
لطيفاً حينما قاد قلبي للنور في ذاك السواد الحالك ، و رغم خشخشةِ الألم ، و صوت
الفرح الذي بات قريباً ، ابتدأ ببحةِ سعلةٍ أوجعتِ الليل قلقاً ، لكنِّ الله هو الرفيق
حتى ادفأ الأحزان ، و أسكن الونّات ، وجعل هذه الحياة طمأنينةً ، ونبراساً منيراً
للذي هو آت .
نألف قلوباً تدوم
لنا طويلاً ، و قلوباً تمضي في حيواتنا على عجل ، نصادف من نبغضهم من النظرةِ
الأولى ، دون أن نحملُ هماً بمحاولة مصافحتهم معلنين عن قرباً طويل ، و هناك من
يجعلهم الله في قلوبنا فجأة ، و كلهم عابرين و نحن على يقينٍ أن لا أحد باقٍ لأحد
.
تنتفضُ بنا الحياةِ
مراتٍ و مراتٍ حتى تلكَ النفضةِ الأخيرة التي لن نشعر بألمها ، لكنّنا وعلى دعاءٍ
عميقٍ أن يحمينا الله من انتفاضةِ الجميعِ عنا ، ليبقى من يمضي الليل يدعو أن
يتغمدنا الله برحمته ، أن يرزقنا الجنّةِ بغير حساب ولا سابقةِ عذاب ، و أننا كلما
سألنا الله أن يرزقنا بذاكَ الذي ينتفضُ بعدنا ، نسأله أن نبقى بثباتٍ في طريقِ
الطمأنينة ، وطريق الجنّة التي لا نظمأ بعدها أبدا .
من أرسل السلوى و
الآيات ، و أنزل علينا ربةِ الإلهام بعد المطر ، و من جعلنا نسأله و بيقينٍ أنه
قريب ، و إن رجوناه آملا لا يخذل ، بعد كلّ انكسارٍ كان لنا الجبرَ و الفرح ، من
أبسط لنا لذة الحياة الدنيا بقربه ، و من جعل كلّ أحلامنا تمضي إليه بلا كلل ، وكل
سؤلٍ كان مجاباً دون اكتفاء ، إني إليه ، و إني إليه راجع .
و من غيركَ يا
حبيبي كنتَ لي أُنساً ، وإني بكَ قوةً لا تكسرها أي قوّة ، و إني بكلّ جوارحي
آمنتُ بك ، و إني مضيتُ إليكَ في شوقٍ لرضاك و جنتك ، و أنت من كنتَ لي حبل
النجاةِ من الخيبات ، و كنتَ انت يا إلهي رفيق الأوجاع و كشفت عني كلّ كربةٍ و هم
.
ناصيتي بيدك ، ماضيةٌ
إليك ، ماضٍ فيّ حُكمك ، وعدلٌ فيّ قضائك ، أن لستُ بمعصومةٍ عن الزلل ، و لستُ
التي لا اسيء القولَ أو الفعل ، وإني على يقينٍ مهما أخطأت كان لي رباً رحيما
غفورا .
لو كان مثل زبد
البحر ذنبي ما قنطتُ من رحمتك ، ولو كان مثل الكون همي أيقنت أنك تفرجه ، و لو
كان كلّ صمتِ الأرض فيّ أدركتَ ما فيّ قبل أن أهمس ببنتِ شفه ، إلى أن يبحَ صوتي إلحاحاً
حتى تغفر لي ، وترزقني جنّتكَ يا الله .
غريباً انضممت إليه
في مشاركتهِ حديثٍ طويل ، كان في ترحِ الحياة رفيقاً أم أنه كان بعيد ، كان قريبا
صافحتهُ يوماً أم غريب ، كان فظاً غليظ القلب أم لطيف ، كان يوماً في دروبِ العمرِ
نوراً أم ظلام ، هذا المطرُ يولدنا مراراً ، و تنبثق فينا الحَياة .
غريبٌ كنتَ أم
رفيق ، أم كنتَ صاحباً وونيسْ ، كنتَ من القلب قريباً أو حبيب ، أم كنتَ لي درباً
بهذه الحياة و أهديتني سراجاً مُنير ، يبقى مُجبر كلّ كسرٍ رحمنٌ رحيم ، تبقى
الحياةُ قصيرةٌ و جنّة الخلدِ الأمان .
الأحد، 18 أكتوبر 2015
معطفٌ أبيض - 2
يقولُ لنا طبيب علم أمراض الدم أنه كان منتدباً في أحد المستشفيات ، وفي
أحد أيام العطلةِ الرسميّة كان عدد فنيّ المختبر قليل في قسم أمراض الدم و كان
هُناك الكثير من العينات فالمرضُ لا يعرف وقتاً محدداً ليزور الناس ، ما يُهمّ أنه
اختار هو العمل على جهاز بسيط يتطلّب امساك عينة اسفلَ قطعةٍ من الجهاز لتسحب
شيئاً من العينة ثم ترتفع تلك القطعة و بعد ثلاثون ثانية تظهر أن النتائج قد تمّت
وعليهِ طباعتها .
يقول ما إن أمسكتُ العينة الأولى حتى أتت فتاة أميّة لا تجيد القراءة ولا
الكتابة ، لا تجيد حتى كتابة اسمها وظيفتها التي تعمل بها من ثلاث سنوات أن تقوم
بتنظيف المُختبر ، أتت إليهِ الفتاة وقالت " أنا سأقوم بالمهمة " ، كانت
على رأسه علامة تعجبٍ كبيرة كيف تظن أنها تستطيع القيام بذلك ! .
يقول أنه طلبَ منها أن تريه ما ستفعل ، ووقفت بكل ثقة وأمام الجهاز أمسكت
العينة و قامت بالضغط على زر حتى ظهر على الشاشة " ادخل العينة " ،
أدخلتها ، ثمّ انتظرت حتى ظهر " تم سحب العينة " فقامت بإعادة عبوةُ
العينة ، وانتظرت حتى ظهر في الشاشة " قم بطباعة النتائج " ، فضغظت على
زر الطباعة و أعطته قالت " خذ النتائج " .
يقولُ كنتُ مصدوماً جداً ، وسألتها كيف قرأتِ ما كُتب ، فأخبرته أنها لا
تجيدُ القراءة لكنها باستمرار تشاهد فنيّ المختبر وهو يقومُ بعمله بادخال واخراج
العينة وطباعة النتائج فتعلم أن ما يظهر أولاً يخبرها بالأمر الفلانيّ ، وما يظهر
ثانياً يخبرها بالأمر الآخر وهكذا .
لا زال مصدوماً وهي مبتسمة سعيدة كطفلةٍ أُعطيت قطعة حلوى ، كان يحكي لنا
وهو مبتسماً عينيه بهما بريقٌ عميقٌ جداً وكأنه كان يحاولُ إخبارنا عظم النعمة
التي نحنُ فيها ، وبمعنى آخر أصحاب المعاطفِ البيضاء عُظماء .
هم حقاً عظماء حينما يحاولون أن يوصلون لنا تلكَ الرسالة ، وهم يحاولون لنا
أن يشرحون لنا الحبّ الذي يكنونه لما يفعلون ، أنهم يرون أن المرضى يستحقون كلّ
الجهود ، وهم مجتهدين لذلك .
معلّم مختبر الأحياء الدقيقة كتب في أول صفحةٍ من كتابه " اعتنِ
بالمجهر امامك كأنكَ تعتني بطفلكَ الأول ، أو أقلها بأعز أصدقائك " ، يظلّ
يخبرنا أن المجهر هو الصاحب وهو كلّ ما يجب أن نكنّ له الحبّ .
معلم مختبر علم أمراض الدم قال لنا في أول محاضرة " تعاملوا مع
الشرائح الزجاجية بلُطف فإنها أغلى من الذهبِ بالنسبةِ لي " ، إنه يخافُ
علينا أن نكسرها ، أن نوجعهُ بكسرها ، بطريقةٍ أخرى كان يقول لا تؤذوني في شرائحي
، أخبرني مرّة أنه قد يسامح الطالب لو أنه أحرق المختبر فوقَ رؤوسنا بمهما كان
فعله ، لكنّه لن يسامحه على شريحةٍ زجاجيةٍ كسرها ، العجيب أن كلّ الشرائح
الزجاجيّة موضوعةٍ في مختبره!
معطفي الأبيض دائماً يذكرني بفترة انتدابي للتدريب في الفصل الصيفي ، و
أفكر بكمّ العينات التي رُمت بسبب " انكسار الخلايا فيها " والتي درستُ
في أحد مقررات هذا الفصل أنه " كان يجب أن تُفحص قبل أن تُرمى " لأنها
قد تكون مصابة بحالة مرضية عن المرضى
المتوجعين الذين وبكلّ بساطة كان يُطلب منا رمي العينات دون أن تُفحص ، لكم بعمقِ
القلبِ ألفُ دعوة.
عن شعورِ الحيرة ، وعن المسؤولية ، وعن القلقِ الذي ينتاب أثناء تشخيصٍ ما
، كيفَ أنني في مختبر الكيمياء الطبية بسبب فرق بأجزاء من الواحد في النتيجة كان
تشخيصي للمريض خاطئاً ، عن محاسبة النفس في دواخلنا أمام معطفنا الأبيض و عن العمق
في قول الطبيب " لا تظنون أبداً أن الآلة أكثر دقةٍ منكم " سنكون بحسنِ
ظنّك بإذن الله .
الأحد، 11 أكتوبر 2015
معطفٌ أبيض - 1
كانت نظراتها لا تُغادرني وهي تشعرُ بالخوفِ رُبما أو الحيرة عن سببِ وجودي
في مكتب الطبيبةِ آن ذاك ، ظلّت تقّلب ناظريها بيني وبينَ الطبيبة و هي تشكو ما
تشعرُ بهِ ابنتها ذات الأربع عشرة ربيعاً التي ظلّت صامتة طوال الحِوار ، الأم و
ابنتها المريضة ينظران إليّ طوال الوقت علّي أهمسُ بحرف و أنا أنظرُ إلى المريضة
بتفحّص رأفةً بحالها ، حتى أتى نداء الطبيبة " جهزّي أدواتكِ " ، ما إن
أخرجتُ الإبرة حتى صرخت الأم " مُستحيل " ، قالت لها الطبيبة بكلّ هدوء "هيَ
مُتدربة لدينا وأحد واجباتها أن تقوم بسحبِ الدم من المرضى ، و قد شهدَت مسؤولة
القسم و احدى الطبيبات على قدرتها و أنها ليست المرّة الأولى التي تقوم فيها بهذا
العمل " ، غضبت الأم غضبت شديداً وبدأت بالصراخِ و اتهام الطبيبة أنهم لا يهتمون
بالمرضى و يحاولون قتلهم ورميهم للمدربين حتى يُقتلوا ، أعلنت الطبيبة بكلّ هدوء
أنها هيَ من سيقوم بسحب الدم من الإبنة و اعتذرت إلى الأم التي لا زالت تشتم وتلعن
المشفى و الأطباء وكلّ من له علاقة بوجودنا كمتدربين لنسحب من أيادي المرضى .
قالت لي الطبيبة بعد خروجهن " لا بأس كلنا مررنا بموقفٍ مماثل انتظري
المريضة التالية " ، أتت المريضة التي بعدها التي قضت ما يقارب عشرون دقيقة
تشكو طول الإنتظار و أنها انتظرت طويلاً حتى تقابل الطبيبة خديجة لأنها ترى أنها
أفضل طبيبة في ذاك المكان ، وبدأت الطبيبة تفحصها و تطرحُ عليها الأسئلة حتى وصل
المشهد " سنقوم بسحبِ عيناتُ دمٍ منكِ لإجراءِ بعض الفحوصات ، استعدي "
، كانت جملتها كصاعقةٍ أُنزلت بالمرأة بقت تقولُ لها أنا انتظرتُ طويلاً لأني لا
أشعرُ بأيِّ ألمٍ منكِ وترميني لهؤلاء ، حاولت الطبيبة اقناعها ووافقت على مضضٍ
وخوف وسلّمتني يداها التي كانت ترتجفُ خوفاً ، سألتني عن اسمي وأعطيتها اسمي
الرباعي وقالت " آه ، أنتِ ابنة المهندس فُلان " ، قلتُ لها " نعم
أنا بنته " ، فابتسمت وقالت إذاً أنا على ثقةٍ بكِ ، كان الأمرُ مزعجاً كونها
تثق بمتدربة كوني ابنة والدي الذي لا علاقةُ له بالطبّ أبداً لكن لا بأس المهم
أنها تثقُ بي الآن ولن ترتجف واخطئُ حينها ، أمسكتُ بطرفِ الابرة حتى أُدخلها ،
وبدأت تنطقُ الشهادتين وآيات القرآن بسرعةٍ كبيرة حتى أعلنتُ لها أنني انتهيت ،
وقالت بفرحٍ " آه أنتِ مثل الطبيبة خديجة لم أشعر بشيء اطلاقاً " ،
حييتني وانطلقت .
المريضةُ الثالثة ما إن شاهدت الإبرة حتى بدأت بالصراخ ارجوكِ لا تفعلي ،
اتركي دمي ، وبدأت تبكي و تولول ، الغريب أنها في العشرين من عمرها ، أمسكت يدي
وبدأت تقولُ لي ارجوكِ لا تفعلي ارجوكِ حتى تركتُ الابرة من مشهدها المؤلم وتركتُ
كل شيء خلفي وانسحبت ، عدتُ لاحقاً لتخبرني الطبيبة أنها لم تستطع سحب الدم منها
وأرسلها لأقرب مشفى حتى يشخصّون حالتها .
عن تلكَ المراة الكبيرةُ في السنّ التي خفتُ من دمائها التي سالت فورَ
إدخالي للابرة و سحبتُها سريعاً من وريدها ، لم أكن أعلم أن هذهِ الحالات قد تحدُث
حتى أخبرني الطبيب بعد هذا المشهد وكلّ ما فعلته المرأة أن ابتسمت لي وقالت لا بأس
حاولي في يدي الأخرى ، لكنِّ انسحبت و اعطاني الطبيبة الأبرة التي تسحب الدم لا
التي تُدخل في يد المريضة وقال لي أنا أدخلها واسحبي ، وما إن امتلت لنهايتها حتى
فُكّت اجزائها بغيرِ قصد و سُكبت دمائها فيها و فيّ وملء ملابسِ الطبيب ، ارتجفتُ
حينها وخفت لكنها كانت تكرر " لا بأس ، إن لم تتعلموا فينا في من ستتعلموا ،
لا بأس ابنتي " ، ظلّت الابتسامة لا تُفارقها وهي تهدئ من خوفي وقلقي عليها
وهي تردد لا بأس تعلموا ، لتكونوا كباراً !
هربتُ حينها إلى حيثُ ننتمي و نحنُ نحكي للمسؤولة عمّا حدث و كلّي قلقٌ
عليها و أخبرتني أنّ الخطأ في المصنع وأنهم واجهوا نفس المشهد بسببِ رداءة صنع بعض
الإبر ، أتت في نهاية اليوم لتسلم علينا العجوزُ الباسمة التي لا أعلم من قام بسحب
الدم منها بعدها ، راودني طيفها طوال اليوم و لم أنم ليلتها ضميرٌ قاتلٌ كان
يحاربني أنني أوجعتها فيما كانت تهدئ من روعي وتقولُ لي لا شيء موجع .
عن ذاك الطفل الذي كان يصرخُ ويبكي و فيما كنا ثلاثة مع والده نحاولُ
الامساك بيده ، وكنت ارتجف ، كانا اللذان معي ينظران إليّ وأنا أكادُ ارتجفُ معه و
عيناي اغرورقت بالدمع من صراخه و خوف أمه التي كانت
تبتعد من كلّ صرخة ، كنتُ
انظرُ للطبيبة بعدها و اقولُ كيف قاومت الكثير من البكاء و الكثير من الوجع .
إلى كلّ مريض خائفٌ من غلطةِ متدربٍ على يده ، ذاك المتدرب رُبما قضى ليلة
أمس في محاولة الإدراك يقيناً ما سيقوم بهِ على يديك ، ذاك المتدرب غاص في
المكتبات بحثاً عن معلومةٍ سيعملُ بها لصحتك ، ذاك المتدرب قضى أياماً متنقلاً بين
مكتب طبيبٍ لآخر لأجل ألا يخطئ فيك ، ذاك المتدرب لا ينام الليل فيما تغلقُ كلّ
أضواء المنزل وهو يقرأ ويذاكر ، ذاك المتدرب يرمي ورقة اسئلة الامتحان تعطى إليه
قبل الامتحان حتى يكتب الذي يعرف كي لا يظلمك لأجلِ درجةٍ أو غيرها ، ذاك المتدرب
لم يحضر جمعات العائلة طويلاً ، لم يرافقهم في الرحلات ، و فوّت الكثير من
المناسبات ، ليكون بالصورة التي ترضيك ، ولينام مرتاح البال حينما لا يخطئ فيك .
فيما يعتقدُ الكثير أننا فاشلين كحال الطبّ لدينا ، هم في الواقع لا ينظرون
لعمقِ الأمور ، ولا يعلمون ما يحدثُ في الخفاء ، لا أنكرُ وجود الأخطاء الطبيّة
ولكن تبقى بعض القلوب التي يزاحمها الضميرُ في عملها فتجتهد فيهِ بحبّ ، و فيما
يبقون يكررون على مسامع أذني كيف تنجحين وأنتِ غبية ، أو يقولون أني فاشلة هم لا
يدركون حقاً ما الجهدُ العظيم الذي نمارسه !
العقولُ العقيمة التي تظنّ أن وجودنا وعدمنا سواء فلتحاولُ فقط أن تحدد
مكان إدخال الإبرة و عمقها في يديّ مريض ، وفيما يبقى الكثيرين يقولونَ لي أنني
" دفشة " و أن المرضى سيموتون على يدي أنتم حقاً حمقى ، طال الزمان و إن
قصر سأثبت لكم ذلك .
حينما يأتي ذاك اليوم الذي أصحو فيهِ فجراً لأذهب فيه للمشفى مرتديةً معطفي
الأبيض ، أو في منواباتي الليلية أمضي تاركةً النوم خلفي ، لن تستطيع وقتها أن
تشتمني لأنك ببساطة ستحتاجُ إليّ يوماً ما ، وبتفصيلٍ أكبر ستدرك الحمق الذي أنت
عليه .
ذاتَ يوم ستصحو – أبعد الله عنك السوء و البلاء – في حاجةٍ لطبيب وممرض و
مخبتراتيّ وصيدلاني و أيٍّ كان يعملُ في المشفى ، فادعو لهم أن يُباركَ في جهودهم
.
الأحد، 30 أغسطس 2015
في الجنّة تُثمر
على حافةِ الحلمِ كلما نمنا استيقظنا نشهقُ بسرعةٍ وكأننا نسقطُ من طابقٍ
مرتفعٍ جداً إلى ظلمةِ لا ندركها ، ثمّ نستيقظُ فزعين نرددُ " بسم الله
الرحمن الرحيم " بحرفٍ يكادُ يأكل الذي بعده من الخوفِ الذي يلتبسنا ، وكلما
حاولنا أن نعاود النوم يلمسُ هواء المكيفِ ورقةٍ من على الأرفف فتتحرك فنرتجفُ في
مكاننا خوفاً محركين أعيننا يمنةً ويسرة في تلكَ الظلمةِ الدامسة ليلاً .
الأمرُ أشبهُ بفقدِ عزيزٍ كلما أتى الليلِ بكينا للهِ ألفاً دونه نرجو
لقائه ، أشبهُ بأمنيةٍ كلما اقتربنا منها نمدُّ أيدينا لنمسكها تطيرُ كالفراشِ
المبثوث عنّا مبتعدة ، أشبهُ بأرضٍ خاويةٍ على عروشها إن نبستَ ببنتٍ شفةٍ يترددُ
صداه همسكَ كأن جبلاً انهارعلى تلكِ الأرض .
كطفلٍ عاد للحديقةِ ذات يوم ولم يجد أرجوحته المفضلة في مكانها ، فاشتدّ
بكائه رغبةً بها ، وهو مجبرٌ على الإعتيادِ في كلّ مرةٍ بالعودةِ دون أن يجدها
يمارسُ الفرحَ فيها كما كان يفعل منذ أن تعرّف عليها .
الأمر حينما لا نكتب أشبهُ بالهبوط لعمقِ الحياة بحثاً عن لؤلؤٍ يجعلنا
سعداء دونَ أن نحمل اسطوانة اكسجين ، فتقطعُ أنفاسنا شيئاً فشيئاً غرقى في هذه
الحياة بعيدين عن درةٍ تجعلنا سعداء لا يشوبنا شيء ، لكننا ببساطة غرقنا في الحياة
!
العودةُ للكتابةِ أشبهُ بشهقةٍ نأخذ منها قدر ما نستطيع من الفرحِ و الحياة
، وحلم طالما راودنا أن نكتب للأبد ، الأمر أشبه بزهرةِ توليب في صحراء قاحلة لم
تعرف المُزنَ يومأً ولم يمرّ عليها ، أشبهُ بشهةِ الحياةِ الأولى لجنينٍ رأى مشهد
الحياة للمرة الأولى .
أشبهُ بفرحةِ طفلٍ لمشهدَ والداه يصفقان له على خطواتهِ الأولى دون سقطةٍ
مؤذيةٍ تبكيه خلالَ فرحته ، الأمر أشبه بشعورٍ أعظمُ من أن يوصف ، لكنه جداً جميل
.
على نورِ القمر كانت تتكئ على أرجوحةٍ تطيلُ الحديثَ معي فيها بحمى تُسكرها
كلّ مرة لكنّها تحبها جداً وتراها حنونة ، كانت تقولُ لي أن هلاميّة الحياة مزعجةً
لها ، و تحكي لي عن تلك الحمى التي ترهقها ، وتحكي عن خوفِ والديها الذين مهما حاولت
أن تقنعهما أنها بخير ، يبقان قلقان رُبما من هذيانها .
على نورِ القمر حديثٌ ليليٍ من أمام النافذة بحلمٍ يكبرُ كلّ ليلةٍ ، وكلّ
ذكرى تنسجُ خيطاً يكملُ الذكرى التي تسبقه ، على عتباتِ الليل حينما ينتهي يكتبُ
القلمُ حلماً يكبرُ في صدري ، حلما أمضي فيه ، وحلمٌ يسردُ على ضوءِ القمرِ كلّ مرة
، حلمٌ لو نهشني نهشاً لسعيتُ إليه أمضي بفرحٍ ، بشوقٍ كاد يقتلني ، إلى الجنّة .
مرّ شهر كدتُ انسى فيه مدونتي ، التي بقت على سطحِ الهاتف ترجو نقرةِ اصبع
لكنِّ اتجاهلها في كلِّ مرةٍ فتحتُ هاتفي ، لم أكن منشغلةً بشيء ، ولم أكن
أتجاهلها ، ولم أكن لا أستطيع الكتابة ، لكنِّ لا أريدُ الكتابة ، ولا أعلم
الأسباب .
مرّ شهرٌ زارني الفرحُ فيهِ مراتٍ ومرات بحمدٍ من الله ، مرّ عليّ مرةً
كنتُ فيها معلقةٌ بينَ السماءِ و الأرض ، بجوارِ أبي ، ومرةً كنتُ على مكتبي
أنتظرُ الفرحة تلك ، مرّ شهرٌ لم يترك الله فيها رجاء عبده ، مرّ بكلِّ أشيائه
أمسكُ القلمَ مرةً أخرى لاكتب .
أظنني قلتُ مئات المرات " من يكتب مرّة لا يستطيع عدم الكتابة بعد ذلك
، الأمر أشبه بموتهِ تدريجياً ، الأمرُ في دمهِ كمسٍ لا شيخَ يقرأ عليهِ و يرقيه و
يشفى منها ، الأمرُ يكادُ يكون ضمن كروموسومات الخلايا الأم التي مهما حاولنا أن
نتخلّص منها فهيَ منا وفينا " .
" إن ما نسعى
إليه .. يسعى إلينا " ، إن حُلمي حينَ يكبر داخلي ، يُزهرُ بالحبِّ أكثر ،
إنني في يومِ مطرٍ أزهرت روحي حروفا ، ها هيَ الآن ربيعاً ، وغداً في الجنةِ تَثمر
.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
