الثلاثاء، 19 أبريل 2016

تنّفس بأحلامك ، عامٌ ثالث

لقد غيّرت الكتابة مجرى حياتي كُليّاً ، غيّرت كلّ خليةٍ مني جذرياً ، أعادت ترتيبِ حياتي ، و غيّرت مواقع كروموسوماتي حتى تُصبح مختلفة بشكلٍ لا يُكتب ، لم أهدف إلى الشهرةِ أو أيُّ مَكسب ، لكنِّ أريدُ أن أحيا حرفياً .


طقوسُ الكتابةِ تمرُّ عليّ أشبهُ بغيمٍ يتجمعُ فوقَ صحراء قاحِلة من الشّعورِ لتُمطر ، ثمّ تتذكر أن هذه صحراء لا حياةَ فيها فيتوقف الغيمِ ليحفظ ما تبقى من زهرٍ لحياةٍ أخرى ، أشبهُ بمرحلةِ البقاء في تابوت لساعات في خوفٍ و خشية لأننا متنا دون أن نفعل شيئاً يُذكر في حَياتنا ، ثمّ نستيقظُ فجأة ليس من كابوسٍ عنيف و إنما في قبرٍ مُخيف لأن الأطباء لم يقدّروا احتماليةِ انخفاض دقات القلب للمستوى الذي لا يُشعرُ بها ، و إنها أشبهُ بالأرض التي تدور حول الشمس دون أن تتأمل مسارها كما نفعلُ نحنُ البشر حين نمشي على صفائحٍ متتاليةٍ من الرخام في مسارٍ طول محاولين تجنّب حدود الصفائح .


إنها أشبه بمضادات تجلّط المَشاعر حتى لا تُسبب تخثراً في الدمِ يؤدي إلى انتفاضةِ مناعةِ الجسم مثيرةً فينا الكثيرُ من الريبةِ و الشكّ ، إنها تدفعنا لأن نقوم بالتأكد من مستوى الهيموجلوبين في الدمِ للتأكد أنها لم تقم بإبادةِ خلايانا الحمراء في سبيلها ، إن هذهِ الطُقوس لن يصفها أي مصطلح طبي مهما حاولت أن أبحث بين كلّ الكتب و كلّ ملاحظات المُحاضرات ، إنها طقوس لا تشبهُ أي طقس ، و لا تشبهُ حتى مور أخدودٍ جويّ قد نزهرُ بعدهُ ألف عام ، في الحقيقةِ إني أبالغُ قليلاً بالوصفِ لأنهُ و كما أسلفتُ سابقاً أن هذا الطقس بالتحديد لا يُوصف .


الكروموسوم الرابع عشر في الموقعِ الرابع و الثلاثون ، الكروموسوم الخاص بأولئك الذين لا يَرون الحياةِ إلا مُلهمة فيتأملون حركةِ النمل وسط قطيعٍ من البقرِ بعد مشاهدةِ ولادةٍ عسيرة لقطةٍ بيضاء شيرازيّة ، لأولئك الذين يتوهّجون في العالم فرحاً ، ويضحكون حتى يقعون على الأرض ضحكاً من مقطعِ فيديو لحلزونةٍ تحاولُ شربَ الماء ، ثمّ يمشون بطريقةٍ مدروسةٍ مُبرمجة كتحرّك الألبومين حاملين كتبهم لتحضر المحاضرةِ دونهم ، بينما هم يتشاركون مقطع الفيديو مع أصدقائهم و يستمرون في الضكِ الهستيري بوِحدة ، ثمّ  يأتون و ينتقدوا المَجانين وكأنهم ليسوا منهم .


الكتابةِ صفة وراثية على مُكتسبة ، إنها تنتقلُ عبر الأجيال تكون إما حاملاً لها أو مُصاباً بها ، إنها تنتقل وتوّرث بمثلِ الوراثةِ المندلية ، إنها قد تكون جيناً صامتاً أو قائداً ، إما تقودك أو تموت بداخلك ، إنها تنتقلُ إلى أبنائك و عبر جيناتك إلى أحفادك ، إنها تُحمل من جيل إلى جيل في كروموسوم مُخلّد لا يموت .


كنتُ قررتُ أن ابدأ بالكتابةِ ألا أذكر الكتابة أن اكتب عن الأحلام و الشغف أو عن المعاطف البيضاء أو الطبّ و ربما الطبخ لكن لا أذكر الكتابة كلياً ، لكنها تستمرُّ بتغيير مجرى حياتي ، تستمرُ بإلغاءِ الخطط الدقيقةِ التي لا ألتزمُ بها بتاتاً ، إنها تدفعني لتحديدِ هدفٍ واحد ثمّ إنها لا تهتم بالتفاصيل الدقيقة المعتّقة التي لا يُلقي لها بالاً أحد ، إنها تُحددُ هدفي بالكتابةِ و تُلغي كلّ ما أردتُ كتابته ، إنها تنتظرني أن أقرر وهيَ من  تأتي بربةِ الإلهام ثمّ تكتب ، إنها تكتبُ بي وتستخدمني كما يستولي الجانُ على جسدِ أحد ، إنها تدفعني لتكذيب قانون الجذب لأنها لا تُجذب ، بل تَبقى مخبئةً حتى تظهر في تفاعلٍ أثناء انخفاض درجةِ الحرارةِ إلى 4 سيليزية ، كالجسيمات المضادة الباردة تظهر ثمّ تختفي بنفسها مع ازدياد درجةِ الحرارة ، تدفعُ المشاعر كلها لتجتمد حتى تستفيق ثمّ تتلاشى وحدها .


آخ ، لقد تجاوزني الحرف هذه المرةِ أيضاً .


نصفُ مشاكلي في الكتابةِ أني لا اكتب كما أردت ، النصفُ الآخر أنني عندما أريدُ أن أكتب لا يشبهُ النتاج كلّ ما أردتُ كتابته ، إن الأمر ليسَ متعلقاً بكلّ الحروف التي أكتبها ، الأمرمتعلق تحديداً بالإبتسامةِ المُرتسمة على شفتيّ حينما أنقر الزّر ( نشر ) .


أنا في العالم الموازي خشبةً مرميةً في عرضِ البحر ، تتقلّب بيَ الأمواج يمنةً ويسرة حتى استقرُّ في جزيرةٍ مهجورة ، ما إن أشعر بالراحةِ من تقلّب الأمواج حتى تمتدُّ إلى يدِ بشريّ فيحرقني ليتدفأ ، و تتقاذفني الريح حتى أختفي .


حُلمي حالياً أن أعمل في مركزِ أبحاثٍ طبيّ ، اكتشف علاجاً لمرضٍ مناعيّ كان مرضاه قد يأسوا حتى يتوّهج الأمل في قلوبهم ، ثمّ أفوزُ بجائزةِ نوبل بعدها بأعوام و ألقي كَلمتي أمام جمهرةِ العُلماء ، ثمّ يصفّق الجميعُ بحرارة و أردى دموعَ أبي فرحا و فخرا ، و يحتضنني و أقبّله حتى يختلط دمعي بدمعهِ فرحا ، و أن اكتب رواية تكون إرثاً لأبنائي ، أشبهُ بتميمةٍ تحميهم من وجعِ الحياةِ ، لأنا أقتفي أثر لا أحد لأكون الأحد الذي يَقتفي من بعدهِ الآخرون بهِ .


أريد أن يحملني العالم غيمةً تتقلّبُ فيه ، و أن أهاجر دون أيُّ فِلس ، أن أمشي في الريفِ السويسريّ و أبقى في كوخٍ خشبيّ كنزي حينها عائلتي ومدونتي ، أن اكتب الكثير من الرسائل الورقية للعابرين الذين لن أقابلهم مرةً أخرى ، أن أحمل كلّ من أحبهُ على عاتقي و أعيشُ معهم في الجنّةِ أماناً أبدياً .
التاسعُ عشر من أبريل : مدونتي تكملُ عامها الثالث ، شُكراً لمن ألهم ، شكراً للمعلمِ الأول أبي ،  والذين مروا على خاطري وأنا أكتب " حبيب الفؤاد ، شَغف ، رواء ، هَديل ، شَذى و مؤشرات " ، وشكراً إن كنتَ تقرأ هُنا .
امسحوا الدمعَ الحزين ، دعوا أحلامكم تنتفس .



18\4\2016 م
11:09 مَ


الأحد، 20 مارس 2016

رسالة

إلى زميلي الذي يظنُّ بأنني حمقاء و أنني أغبى من على هذه الأرض ، سأخبرك أن هذهِ الرسالة لكَ من أول حرفٍ لها لآخر حرف ، وأني لن أندم عليها .

عمومُ الخطأ لا يعني جوازه ، ووجود شخص واحد في طريق الحقّ وحيداً لا يعني أنهُ هو على خطأ ، اختلاف التفكير و النظرِ للأمور لا يعني أن الفكرَ المختلف هو الخطأ ، اختلافُ زوايا النظرِ لا تجعل من الزاويةِ العمياءِ وإن كانت غالبةً بصيرة .

لتحمل على عاتِقكِ رسالةً كانت ستكونُ في طيات الذكريات لو أن الذين سبقونا ما جاهدوا وصبروا و اصطبروا عليها ، ولو أن المئات لم يموتوا في سبيلها لما بقت موصولةٌ إلينا ، و لو استسلم الصحابةُ بينَ يدي بني قريش لما كان الإسلام نوراً يهتدي بهِ الناس قرونا و دهورا .

إنك في حياتكَ قد تصاحب الصالح و الطالح ، و قد تبتعد عمّن يسوء صيته بين الناس خوفاً على نفسكَ من الوقوع في دائرةِ الحيرةِ و التيه بسببه ، وإنك لتقرأ القرآن فجراً و تصاحُب إمام المسجد الواقع بجوارِ مسكنك ، وقد تمضي يومكَ بين كتبِ الإسلام و الآداب و تبقى مع أهلك تقرأ القرآن و تذكر الله أناء الليلِ وأثناء النهار لكنكَ تبقى بوجهٍ جامدٍ أمام المنحرفين عن طريق الله .

إنك قد تشهد أخاكَ يسرق و تقولُ " إن الله يهدي من يشاء " ، وترى صاحبكَ يمارسُ الرذيلة و تلفُّ عينكَ عنه كأنكَ لم ترى ، و تسمعُ تأتأةِ الطلبةِ في وسطِ قاعةِ الإمتحان ثمّ تتجاهلُ كأنك لم ترى ، وترى ما يغضبُ الله أمامكَ و أمام ناظريكِ ويمرُّ خلالكَ وبين يديكَ ثمّ تتجاهل كأنك لم تكن ، و كان ما يحدث لا يمسك بأي شيء ، ألا تغضب على دينك ؟ ألأ تغار ؟
إنني و إن كنتَ لا تغضب فإنني أغضب ، وإن كان ضميركَ ميتاً فضميري لا زال يتنفس ، وإن كان قلبكَ لا يمسك بأي ألم فقلبي يوجعني أشدُّ أنواع الألم ، و إن كنتَ تنامُ الليلَ مرتاحاً مطمئناً غير مبالٍ بما يدور حولكَ فأنا أُبالي ، أنا مع الحقِّ أينما كان ولو كنتُ وحدي ولو كان الطريقِ مثقلاً بالوجعِ و الشوكِ و الحصى .

" من قال أن طريقَ الجنّة مغطىً بالورود ؟ " من قال أن الشوكَ لا يرميك وأن الدمع لا يمسّك و أن روحكَ لا تموتُ ألفَ مرةٍ حتى تصلَ إليها ، من قال أنكَ لن تمسكَ بدينكَ كالقابضِ على الجمرِ حتى تستفيق ، ومن قال أنك لن تمضي الليل حيراناً كيف ترضي الضمير .

عزيزي زميلي الواعي : إن كنتَ ترضى أن تبقى بذاك الحمق فأنا لن أرضى به ، أنا لن أصمت تجاهِ الباطلِ ولو اجتمعت الأنسُ والجنُّ عليهِ ضدي ، و أني عن طريق الحقِّ لن أنثني ، وإني لن أتعاون على الإثمِ مع أحد ولو كان جزءاً مني .

أنا لن أكون خرقةً باليةٍ على هذه الأرض ، ولن أرضى أن تكون كذلك وإن رضيتَ لنفسك ، أنا لن أقبل بمريضٍ بين يديكِ ظمآنٍ أسف ، و أنت بينَ ضحكةٍ و ترفٍ في النعيم مُستقر ، تترنمُ بالغناءِ و العويلِ في يومٍ سعيد ، و أهلُ المسكينِ في صياحٍ و نواح ، و كلّ العالمِ واقفاً بينَ يديكِ لتعتذر ، لكنكَ " كنتَ ميتاً في بحورِ الإثمِ و الغيِّ غريقاً " ، ساقكَ الشيطانُ طمعاً في الدنيا و بعتَ الدينِ رخصاً كالترابِ ، و سمعتَ بتواترٍ عن خيرِ خلقِ الله إنكَ لستُ منهُ ، لكنكَ غارقٌ في طمعِ ذاتك .

حدّ الصمتِ قبل الإنفجارُ يمؤلني العتابِ لكنِّ فعلتُ ما كان عليّ فعله قبل أشهرٍ طويلة ، وفعلتُ ما أراحَ ضميري و تركني أنامُ مطمئنا ، ولا أندمُ أبداً مهما ثقُلت عليّ النظرات ، وكثُرت خلف أذني الشوشرات ، يا رب طريقِ الإيمان الحقِّ اهدني إليهِ و إياهم .

زميلي الصالح الفاسِد : لأقعدنَ أنادي بالصراطِ المستقيم إن كنتَ تأثم ، ولأسهرن الليل في همسٍ إلى الله اسأله الهدايةَ لك ، ولأشربنَ العلمَ بحراً مالحاً لن أنثني ، ولأسالنّ الله حقّ خلافةٍ في الأرض لن أيأس ، ولأرمينّ الزهرَ في وجهِ شوككَ كلما ترمي ، ولأزهرنّ اليوم و غداً كما الأمس آبدا .

إن كنتَ وجدتَ نفسكَ بين أي سطر فأنت مَقصود .

اللهم علّمني ودلّني للصواب ، أرشدني حتى أفهمُ و أنتفع ، حتى لا يموتُ بينَ يدي مريض و أموتُ بعده ، دلّني لليقينِ حتى أنامُ مطمئنا .

الأربعاء، 24 فبراير 2016

معطفٌ أبيض - 3




قالت لي :  أنا لا أجبر أحداً للاستماع إليّ ، إن كان يريد فله ذلك و إن كان لا فهوَ حُر .
أمام ناظريّ شيءٌ من الدهشة و أنا أسأل لنفسي كيف لنا ألا نسمع ، كيف للبعضِ وبكلّ وقاحةٍ أن يخرّج هاتفه و الطبيب أمامه يتحدث عن حياةِ شخصٍ كان على وشكِ الموت ، أو أنه يحاول الآن تقبّل فكرة الرحيل ، وأن أهله يكفكفونَ دموعهم في الخفاءِ متظاهرينَ بشيءٍ من القوّة ، علّه يتمسك بشيءٍ من الأمل .

كيف لنا أن نتجاهل ملامح الإندهاش في وجوهنا و نحنُ نقوم بعدِّ مئات الخلايا التي في غير موقعها لأن صاحبها في المرحلةِ الأخيرة من اللوكيميا ( سرطان الدم ) ، كيفَ لقلوبنا أن تتحمل تلكَ التشوّهات و ذاك الكمّ الهائل من الوجعِ أمام ناظرينا ، وكيف لنا و بكلِّ غباءٍ أن نغشّ في محاولةِ غسل خلايا الدمِ الحمراء و لا ندري أن مريضٍ سيموتُ جراء هذا الفعل من محاولة تجاهل شرح المسؤولة عن المختبر ، وكيف لا نفكر أننا قد يكون بين يدينا دمِ الأقربُ لقلبنا ، وهو يحاول مقاومةِ الوجع بعد السقوط أمام أعيننا .

كيف يُمكنني ألا أبكي وأنا أسمعه يقول لابنته "  اشتقتُ إليكِ ليتني الآن معكِ لكنّ لا تقلقي طلابي يحبونني ويحترموني " وهو الذي يصمت طويلاً في انتظار الطلبةِ أن يتوقفوا عن اللغو و الضحكِ الساخر على كلّ ما هبّ ودبّ ، كيف لنا أن نسخّر أنفسنا ونصبر و نصطبر على كلّ ما يمرّ علينا  ، إن الوجعَ أعمق ونحنُ نرى تفاصيل التفاصيل مكبرةً آلاف المرات و هي مخبئةِ بشكلٍ ما لألا تكون ظاهرةٍ فتوجع ، فأيُّ قلبٍ يكادُ يحتمل الألم موشوماً على كفيّه .

إنهم لا يُجبروننا على الاستماع إليهم لكنّنا نبقى هناك محدقين بعينينِ ناعستين تحاولُ مقاومة كلّ أساليب التشيت لندوّن كل كلمةِ خلفهم حتى لا نقتل مريضاً بينَ أيدينا ، إنهم يجبروننا بما يقولون أن نبقى مستمعين لآخرِ دقيقةٍ في المحاضرة ، ولآخر محاضرةٍ في المقرر ، إنهم يجبروننا أحياناً دون أن نشعر أن نسكب الماء من قارورته على ملابسنا في محاولة التوفيق بينَ الشربِ و الكتابةِ و التركيزِ في آنٍ واحد ، إننا مجبرون دون أن يرغمنا أحدٌ على فعلِ ذلك .

يُخبرنا ويقول لنا بكلّ ألمٍ أن العلاجَ معدوم ، أن على المريض أن يستعدّ للموتِ على كفنٍ من الوجعِ بعد حربٍ مع المرض ، و أننا على يقينٍ أن الأهل فيما بعد عليهم التعامل مع ذلك و تقبّل الرحيل في أوجعِ العُمر ، ويخبرنا أن السبب مجهول و كأنه بطريقةٍ ما يقول أننا فعلاً لا ندري ما قد يسبب المرض ، وحتى مع الأسباب الواردةِ امامنا فإننا لا نستطيع أن نُجزم أنها السبب .

ألا تعرف ما يحصل هوَ ما يُسقطكَ في متاهاتٍ من الحيرة لكن أن تعرف هُناك شيءٌ من الحزنِ يجعلكَ من تبلدٍ من الشعور ، أو شعورٌ أعمقُ من الحزنِ ذاته ، يمنعكَ من البكاء لكنّه لا يُضعفك ، بل يُظهركَ بقوةٍ من حديد ، أو أنكَ أصلبُ من الألماس ، بطريقةٍ ما أنتَ صلبٌ هش لا يمكن تمزيقكَ حتى ، أو أنه لا يُمكنك البكاء .

كيفَ رحلت جدتي وأيُّ ذاك الذي كان يحيطُ بدمها بشيء من الموتِ و كيف أنني في كلّ مرةٍ أتأمل بها تلكَ الخلايا أشعرُ بالسوءِ من موتِ جدتي دون أن أشعر بوجعها ، دون أن أبكي معها ، و دون أن أقاوم معها ، فأهرب في محاولةِ شربٍ الكثير من الماء و البقاءُ بالكثير من الصمت .

إننا ندفعُ كلّ يوم ثمنَ ذلك المعطف الأبيض ، ثمنَ الألمِ الذي ندري أنه هناك في أحدٍ دون أن نشعر به ، ثمن مقاومة المريض وحده ، و ثمنِ الطبطبةِ على البؤسِ بدعاءٍ عميق ، إننا ندفعُ ثمن أننا نعرف و نريدُ أن نعرف بالتمسكِ بالنور من ظلماتِ الحلم ، و إننا ندفعُ ثمن الشعور الأعظم الذي يُخالطنا ، أن الله العظيم خلقَ بعظمة ، سوى الإنسان و أحسن صورته و أخبرنا في كتابه " ولقد خلقنا الإنسان في أحسنِ تقويم " ، أخبرنا بكلّ التفاصيل لكننا بالكثير من الجهلِ وقليلٌ من المعرفة ، معرفةِ كلّ ما خلفَ المعطف الأبيض الذي ينادينا كلّ مرة : هيتَ لكَ أنكَ رغبتَ بي ، و أقول أنني أجبرتُ لأنني أحلم .

( اللهم اشفِ المسلمين و المسلمات ، وكلّ من توجعِ في الظلمات ، شفاءً لا يغادرُ سقماً )


-         شُكراً لمن ألهم .

الاثنين، 4 يناير 2016

لكَ اللهم قلبي

إلى الذي توقف عن الكتابةِ رغم حاجته إليها ، إلى من لا يعرف ما سيكتب لكنّه كان يكتب ، أنا أنضم إليك بالكلام الطويل الذي لم يُكتب .

أنضم إليك بالحديث المزخرف الذي لا أعرف كيف أقوله ، بأحاديثي الطويلة مع الغرباء العابرين ، بالمضي قدما في هذه الحياة ،  بعد أن ننسى كلّ ما رحل ، ونقدّر الموجود .

كلّ شيء وُلد مع المطر ، كل الفرح و البهجة ، و إندلاع الحياةِ داخلنا ، كله أتى مع المطر ، حتى الصمت الطويل انبثق منه حديثٌ مفصّل بحب .

و أنت بعيدٌ جداً دون أن أعرفك حتى ، أو أننا نتصادف أحياناً دون أن ندرك أننا نحن الغرباء الذين لا نعرف أنفسنا ، و نتصافحُ في دروبِ الحياة ، نهدي بعضنا طمأنينةً بلطافة العالم ، و نضمُّ بعضنا في دعواتٍ تطوّق الأمل ، و تهدينا الفرح بعد أن نتجرّعُ لوعة الألم .

و أنا أرى رحماتٌ تتساقطُ علينا من السماء لتسقي الشجرةُ التي وَهنت بعد أن تساقطتُ كلّ أوراقها ، و بقت تحتضن وريقاتها الجافة بينَ أذرعها بدفء ، و كأن الحياة ستهضمها إن لم تحتويها ، وتموت .

أدركتُ يقينا أن كلّ الغرباء الذين صافحوني ذاقوا من لوعةِ هذه الحياة ، أم أنهم حملوا أثقالاً ضعفَ أثقالي التي أبكتني ضعفاً ، و أني ضعيفةٌ جداً أمام صفعات الحياة ، مشتكيةً من الوحدة رغم دفء الأحضان التي تجبر كلّ وجع ، و أنارت ليلةً مظلمةً مشبعةً بالبرودة القارسة .

و كان الليلُ رؤوفا لطيفاً حينما قاد قلبي للنور في ذاك السواد الحالك ، و رغم خشخشةِ الألم ، و صوت الفرح الذي بات قريباً ، ابتدأ ببحةِ سعلةٍ أوجعتِ الليل قلقاً ، لكنِّ الله هو الرفيق حتى ادفأ الأحزان ، و أسكن الونّات ، وجعل هذه الحياة طمأنينةً ، ونبراساً منيراً للذي هو آت .

نألف قلوباً تدوم لنا طويلاً ، و قلوباً تمضي في حيواتنا على عجل ، نصادف من نبغضهم من النظرةِ الأولى ، دون أن نحملُ هماً بمحاولة مصافحتهم معلنين عن قرباً طويل ، و هناك من يجعلهم الله في قلوبنا فجأة ، و كلهم عابرين و نحن على يقينٍ أن لا أحد باقٍ لأحد .

تنتفضُ بنا الحياةِ مراتٍ و مراتٍ حتى تلكَ النفضةِ الأخيرة التي لن نشعر بألمها ، لكنّنا وعلى دعاءٍ عميقٍ أن يحمينا الله من انتفاضةِ الجميعِ عنا ، ليبقى من يمضي الليل يدعو أن يتغمدنا الله برحمته ، أن يرزقنا الجنّةِ بغير حساب ولا سابقةِ عذاب ، و أننا كلما سألنا الله أن يرزقنا بذاكَ الذي ينتفضُ بعدنا ، نسأله أن نبقى بثباتٍ في طريقِ الطمأنينة ، وطريق الجنّة التي لا نظمأ بعدها أبدا .

من أرسل السلوى و الآيات ، و أنزل علينا ربةِ الإلهام بعد المطر ، و من جعلنا نسأله و بيقينٍ أنه قريب ، و إن رجوناه آملا لا يخذل ، بعد كلّ انكسارٍ كان لنا الجبرَ و الفرح ، من أبسط لنا لذة الحياة الدنيا بقربه ، و من جعل كلّ أحلامنا تمضي إليه بلا كلل ، وكل سؤلٍ كان مجاباً دون اكتفاء ، إني إليه ، و إني إليه راجع .

و من غيركَ يا حبيبي كنتَ لي أُنساً ، وإني بكَ قوةً لا تكسرها أي قوّة ، و إني بكلّ جوارحي آمنتُ بك ، و إني مضيتُ إليكَ في شوقٍ لرضاك و جنتك ، و أنت من كنتَ لي حبل النجاةِ من الخيبات ، و كنتَ انت يا إلهي رفيق الأوجاع و كشفت عني كلّ كربةٍ و هم .

ناصيتي بيدك ، ماضيةٌ إليك ، ماضٍ فيّ حُكمك ، وعدلٌ فيّ قضائك ، أن لستُ بمعصومةٍ عن الزلل ، و لستُ التي لا اسيء القولَ أو الفعل ، وإني على يقينٍ مهما أخطأت كان لي رباً رحيما غفورا .

لو كان مثل زبد البحر ذنبي ما قنطتُ من رحمتك ، ولو كان مثل الكون همي أيقنت أنك تفرجه ، و لو كان كلّ صمتِ الأرض فيّ أدركتَ ما فيّ قبل أن أهمس ببنتِ شفه ، إلى أن يبحَ صوتي إلحاحاً حتى تغفر لي ، وترزقني جنّتكَ يا الله .

غريباً انضممت إليه في مشاركتهِ حديثٍ طويل ، كان في ترحِ الحياة رفيقاً أم أنه كان بعيد ، كان قريبا صافحتهُ يوماً أم غريب ، كان فظاً غليظ القلب أم لطيف ، كان يوماً في دروبِ العمرِ نوراً أم ظلام ، هذا المطرُ يولدنا مراراً ، و تنبثق فينا الحَياة .


غريبٌ كنتَ أم رفيق ، أم كنتَ صاحباً وونيسْ ، كنتَ من القلب قريباً أو حبيب ، أم كنتَ لي درباً بهذه الحياة و أهديتني سراجاً مُنير ، يبقى مُجبر كلّ كسرٍ رحمنٌ رحيم ، تبقى الحياةُ قصيرةٌ و جنّة الخلدِ الأمان . 

الأحد، 18 أكتوبر 2015

معطفٌ أبيض - 2

يقولُ لنا طبيب علم أمراض الدم أنه كان منتدباً في أحد المستشفيات ، وفي أحد أيام العطلةِ الرسميّة كان عدد فنيّ المختبر قليل في قسم أمراض الدم و كان هُناك الكثير من العينات فالمرضُ لا يعرف وقتاً محدداً ليزور الناس ، ما يُهمّ أنه اختار هو العمل على جهاز بسيط يتطلّب امساك عينة اسفلَ قطعةٍ من الجهاز لتسحب شيئاً من العينة ثم ترتفع تلك القطعة و بعد ثلاثون ثانية تظهر أن النتائج قد تمّت وعليهِ طباعتها .

يقول ما إن أمسكتُ العينة الأولى حتى أتت فتاة أميّة لا تجيد القراءة ولا الكتابة ، لا تجيد حتى كتابة اسمها وظيفتها التي تعمل بها من ثلاث سنوات أن تقوم بتنظيف المُختبر ، أتت إليهِ الفتاة وقالت " أنا سأقوم بالمهمة " ، كانت على رأسه علامة تعجبٍ كبيرة كيف تظن أنها تستطيع القيام بذلك ! .

يقول أنه طلبَ منها أن تريه ما ستفعل ، ووقفت بكل ثقة وأمام الجهاز أمسكت العينة و قامت بالضغط على زر حتى ظهر على الشاشة " ادخل العينة " ، أدخلتها ، ثمّ انتظرت حتى ظهر " تم سحب العينة " فقامت بإعادة عبوةُ العينة ، وانتظرت حتى ظهر في الشاشة " قم بطباعة النتائج " ، فضغظت على زر الطباعة و أعطته قالت " خذ النتائج " .

يقولُ كنتُ مصدوماً جداً ، وسألتها كيف قرأتِ ما كُتب ، فأخبرته أنها لا تجيدُ القراءة لكنها باستمرار تشاهد فنيّ المختبر وهو يقومُ بعمله بادخال واخراج العينة وطباعة النتائج فتعلم أن ما يظهر أولاً يخبرها بالأمر الفلانيّ ، وما يظهر ثانياً يخبرها بالأمر الآخر وهكذا .

لا زال مصدوماً وهي مبتسمة سعيدة كطفلةٍ أُعطيت قطعة حلوى ، كان يحكي لنا وهو مبتسماً عينيه بهما بريقٌ عميقٌ جداً وكأنه كان يحاولُ إخبارنا عظم النعمة التي نحنُ فيها ، وبمعنى آخر أصحاب المعاطفِ البيضاء عُظماء .
هم حقاً عظماء حينما يحاولون أن يوصلون لنا تلكَ الرسالة ، وهم يحاولون لنا أن يشرحون لنا الحبّ الذي يكنونه لما يفعلون ، أنهم يرون أن المرضى يستحقون كلّ الجهود ، وهم مجتهدين لذلك .

معلّم مختبر الأحياء الدقيقة كتب في أول صفحةٍ من كتابه " اعتنِ بالمجهر امامك كأنكَ تعتني بطفلكَ الأول ، أو أقلها بأعز أصدقائك " ، يظلّ يخبرنا أن المجهر هو الصاحب وهو كلّ ما يجب أن نكنّ له الحبّ .

معلم مختبر علم أمراض الدم قال لنا في أول محاضرة " تعاملوا مع الشرائح الزجاجية بلُطف فإنها أغلى من الذهبِ بالنسبةِ لي " ، إنه يخافُ علينا أن نكسرها ، أن نوجعهُ بكسرها ، بطريقةٍ أخرى كان يقول لا تؤذوني في شرائحي ، أخبرني مرّة أنه قد يسامح الطالب لو أنه أحرق المختبر فوقَ رؤوسنا بمهما كان فعله ، لكنّه لن يسامحه على شريحةٍ زجاجيةٍ كسرها ، العجيب أن كلّ الشرائح الزجاجيّة موضوعةٍ في مختبره!

معطفي الأبيض دائماً يذكرني بفترة انتدابي للتدريب في الفصل الصيفي ، و أفكر بكمّ العينات التي رُمت بسبب " انكسار الخلايا فيها " والتي درستُ في أحد مقررات هذا الفصل أنه " كان يجب أن تُفحص قبل أن تُرمى " لأنها قد تكون مصابة بحالة مرضية عن  المرضى المتوجعين الذين وبكلّ بساطة كان يُطلب منا رمي العينات دون أن تُفحص ، لكم بعمقِ القلبِ ألفُ دعوة.


عن شعورِ الحيرة ، وعن المسؤولية ، وعن القلقِ الذي ينتاب أثناء تشخيصٍ ما ، كيفَ أنني في مختبر الكيمياء الطبية بسبب فرق بأجزاء من الواحد في النتيجة كان تشخيصي للمريض خاطئاً ، عن محاسبة النفس في دواخلنا أمام معطفنا الأبيض و عن العمق في قول الطبيب " لا تظنون أبداً أن الآلة أكثر دقةٍ منكم " سنكون بحسنِ ظنّك بإذن الله . 

الأحد، 11 أكتوبر 2015

معطفٌ أبيض - 1



كانت نظراتها لا تُغادرني وهي تشعرُ بالخوفِ رُبما أو الحيرة عن سببِ وجودي في مكتب الطبيبةِ آن ذاك ، ظلّت تقّلب ناظريها بيني وبينَ الطبيبة و هي تشكو ما تشعرُ بهِ ابنتها ذات الأربع عشرة ربيعاً التي ظلّت صامتة طوال الحِوار ، الأم و ابنتها المريضة ينظران إليّ طوال الوقت علّي أهمسُ بحرف و أنا أنظرُ إلى المريضة بتفحّص رأفةً بحالها ، حتى أتى نداء الطبيبة " جهزّي أدواتكِ " ، ما إن أخرجتُ الإبرة حتى صرخت الأم " مُستحيل " ، قالت لها الطبيبة بكلّ هدوء "هيَ مُتدربة لدينا وأحد واجباتها أن تقوم بسحبِ الدم من المرضى ، و قد شهدَت مسؤولة القسم و احدى الطبيبات على قدرتها و أنها ليست المرّة الأولى التي تقوم فيها بهذا العمل " ، غضبت الأم غضبت شديداً وبدأت بالصراخِ و اتهام الطبيبة أنهم لا يهتمون بالمرضى و يحاولون قتلهم ورميهم للمدربين حتى يُقتلوا ، أعلنت الطبيبة بكلّ هدوء أنها هيَ من سيقوم بسحب الدم من الإبنة و اعتذرت إلى الأم التي لا زالت تشتم وتلعن المشفى و الأطباء وكلّ من له علاقة بوجودنا كمتدربين لنسحب من أيادي المرضى .

قالت لي الطبيبة بعد خروجهن " لا بأس كلنا مررنا بموقفٍ مماثل انتظري المريضة التالية " ، أتت المريضة التي بعدها التي قضت ما يقارب عشرون دقيقة تشكو طول الإنتظار و أنها انتظرت طويلاً حتى تقابل الطبيبة خديجة لأنها ترى أنها أفضل طبيبة في ذاك المكان ، وبدأت الطبيبة تفحصها و تطرحُ عليها الأسئلة حتى وصل المشهد " سنقوم بسحبِ عيناتُ دمٍ منكِ لإجراءِ بعض الفحوصات ، استعدي " ، كانت جملتها كصاعقةٍ أُنزلت بالمرأة بقت تقولُ لها أنا انتظرتُ طويلاً لأني لا أشعرُ بأيِّ ألمٍ منكِ وترميني لهؤلاء ، حاولت الطبيبة اقناعها ووافقت على مضضٍ وخوف وسلّمتني يداها التي كانت ترتجفُ خوفاً ، سألتني عن اسمي وأعطيتها اسمي الرباعي وقالت " آه ، أنتِ ابنة المهندس فُلان " ، قلتُ لها " نعم أنا بنته " ، فابتسمت وقالت إذاً أنا على ثقةٍ بكِ ، كان الأمرُ مزعجاً كونها تثق بمتدربة كوني ابنة والدي الذي لا علاقةُ له بالطبّ أبداً لكن لا بأس المهم أنها تثقُ بي الآن ولن ترتجف واخطئُ حينها ، أمسكتُ بطرفِ الابرة حتى أُدخلها ، وبدأت تنطقُ الشهادتين وآيات القرآن بسرعةٍ كبيرة حتى أعلنتُ لها أنني انتهيت ، وقالت بفرحٍ " آه أنتِ مثل الطبيبة خديجة لم أشعر بشيء اطلاقاً " ، حييتني وانطلقت .

المريضةُ الثالثة ما إن شاهدت الإبرة حتى بدأت بالصراخ ارجوكِ لا تفعلي ، اتركي دمي ، وبدأت تبكي و تولول ، الغريب أنها في العشرين من عمرها ، أمسكت يدي وبدأت تقولُ لي ارجوكِ لا تفعلي ارجوكِ حتى تركتُ الابرة من مشهدها المؤلم وتركتُ كل شيء خلفي وانسحبت ، عدتُ لاحقاً لتخبرني الطبيبة أنها لم تستطع سحب الدم منها وأرسلها لأقرب مشفى حتى يشخصّون حالتها .

عن تلكَ المراة الكبيرةُ في السنّ التي خفتُ من دمائها التي سالت فورَ إدخالي للابرة و سحبتُها سريعاً من وريدها ، لم أكن أعلم أن هذهِ الحالات قد تحدُث حتى أخبرني الطبيب بعد هذا المشهد وكلّ ما فعلته المرأة أن ابتسمت لي وقالت لا بأس حاولي في يدي الأخرى ، لكنِّ انسحبت و اعطاني الطبيبة الأبرة التي تسحب الدم لا التي تُدخل في يد المريضة وقال لي أنا أدخلها واسحبي ، وما إن امتلت لنهايتها حتى فُكّت اجزائها بغيرِ قصد و سُكبت دمائها فيها و فيّ وملء ملابسِ الطبيب ، ارتجفتُ حينها وخفت لكنها كانت تكرر " لا بأس ، إن لم تتعلموا فينا في من ستتعلموا ، لا بأس ابنتي " ، ظلّت الابتسامة لا تُفارقها وهي تهدئ من خوفي وقلقي عليها وهي تردد لا بأس تعلموا ، لتكونوا كباراً !

هربتُ حينها إلى حيثُ ننتمي و نحنُ نحكي للمسؤولة عمّا حدث و كلّي قلقٌ عليها و أخبرتني أنّ الخطأ في المصنع وأنهم واجهوا نفس المشهد بسببِ رداءة صنع بعض الإبر ، أتت في نهاية اليوم لتسلم علينا العجوزُ الباسمة التي لا أعلم من قام بسحب الدم منها بعدها ، راودني طيفها طوال اليوم و لم أنم ليلتها ضميرٌ قاتلٌ كان يحاربني أنني أوجعتها فيما كانت تهدئ من روعي وتقولُ لي لا شيء موجع .

عن ذاك الطفل الذي كان يصرخُ ويبكي و فيما كنا ثلاثة مع والده نحاولُ الامساك بيده ، وكنت ارتجف ، كانا اللذان معي ينظران إليّ وأنا أكادُ ارتجفُ معه و عيناي اغرورقت بالدمع من صراخه و خوف أمه التي كانت 
تبتعد من كلّ صرخة ، كنتُ انظرُ للطبيبة بعدها و اقولُ كيف قاومت الكثير من البكاء و الكثير من الوجع .

إلى كلّ مريض خائفٌ من غلطةِ متدربٍ على يده ، ذاك المتدرب رُبما قضى ليلة أمس في محاولة الإدراك يقيناً ما سيقوم بهِ على يديك ، ذاك المتدرب غاص في المكتبات بحثاً عن معلومةٍ سيعملُ بها لصحتك ، ذاك المتدرب قضى أياماً متنقلاً بين مكتب طبيبٍ لآخر لأجل ألا يخطئ فيك ، ذاك المتدرب لا ينام الليل فيما تغلقُ كلّ أضواء المنزل وهو يقرأ ويذاكر ، ذاك المتدرب يرمي ورقة اسئلة الامتحان تعطى إليه قبل الامتحان حتى يكتب الذي يعرف كي لا يظلمك لأجلِ درجةٍ أو غيرها ، ذاك المتدرب لم يحضر جمعات العائلة طويلاً ، لم يرافقهم في الرحلات ، و فوّت الكثير من المناسبات ، ليكون بالصورة التي ترضيك ، ولينام مرتاح البال حينما لا يخطئ فيك .

فيما يعتقدُ الكثير أننا فاشلين كحال الطبّ لدينا ، هم في الواقع لا ينظرون لعمقِ الأمور ، ولا يعلمون ما يحدثُ في الخفاء ، لا أنكرُ وجود الأخطاء الطبيّة ولكن تبقى بعض القلوب التي يزاحمها الضميرُ في عملها فتجتهد فيهِ بحبّ ، و فيما يبقون يكررون على مسامع أذني كيف تنجحين وأنتِ غبية ، أو يقولون أني فاشلة هم لا يدركون حقاً ما الجهدُ العظيم الذي نمارسه !

العقولُ العقيمة التي تظنّ أن وجودنا وعدمنا سواء فلتحاولُ فقط أن تحدد مكان إدخال الإبرة و عمقها في يديّ مريض ، وفيما يبقى الكثيرين يقولونَ لي أنني " دفشة " و أن المرضى سيموتون على يدي أنتم حقاً حمقى ، طال الزمان و إن قصر سأثبت لكم ذلك .

حينما يأتي ذاك اليوم الذي أصحو فيهِ فجراً لأذهب فيه للمشفى مرتديةً معطفي الأبيض ، أو في منواباتي الليلية أمضي تاركةً النوم خلفي ، لن تستطيع وقتها أن تشتمني لأنك ببساطة ستحتاجُ إليّ يوماً ما ، وبتفصيلٍ أكبر ستدرك الحمق الذي أنت عليه .

ذاتَ يوم ستصحو – أبعد الله عنك السوء و البلاء – في حاجةٍ لطبيب وممرض و مخبتراتيّ وصيدلاني و أيٍّ كان يعملُ في المشفى ، فادعو لهم أن يُباركَ في جهودهم .



الأحد، 30 أغسطس 2015

في الجنّة تُثمر

على حافةِ الحلمِ كلما نمنا استيقظنا نشهقُ بسرعةٍ وكأننا نسقطُ من طابقٍ مرتفعٍ جداً إلى ظلمةِ لا ندركها ، ثمّ نستيقظُ فزعين نرددُ " بسم الله الرحمن الرحيم " بحرفٍ يكادُ يأكل الذي بعده من الخوفِ الذي يلتبسنا ، وكلما حاولنا أن نعاود النوم يلمسُ هواء المكيفِ ورقةٍ من على الأرفف فتتحرك فنرتجفُ في مكاننا خوفاً محركين أعيننا يمنةً ويسرة في تلكَ الظلمةِ الدامسة ليلاً .

الأمرُ أشبهُ بفقدِ عزيزٍ كلما أتى الليلِ بكينا للهِ ألفاً دونه نرجو لقائه ، أشبهُ بأمنيةٍ كلما اقتربنا منها نمدُّ أيدينا لنمسكها تطيرُ كالفراشِ المبثوث عنّا مبتعدة ، أشبهُ بأرضٍ خاويةٍ على عروشها إن نبستَ ببنتٍ شفةٍ يترددُ صداه همسكَ كأن جبلاً انهارعلى تلكِ الأرض .

كطفلٍ عاد للحديقةِ ذات يوم ولم يجد أرجوحته المفضلة في مكانها ، فاشتدّ بكائه رغبةً بها ، وهو مجبرٌ على الإعتيادِ في كلّ مرةٍ بالعودةِ دون أن يجدها يمارسُ الفرحَ فيها كما كان يفعل منذ أن تعرّف عليها .

الأمر حينما لا نكتب أشبهُ بالهبوط لعمقِ الحياة بحثاً عن لؤلؤٍ يجعلنا سعداء دونَ أن نحمل اسطوانة اكسجين ، فتقطعُ أنفاسنا شيئاً فشيئاً غرقى في هذه الحياة بعيدين عن درةٍ تجعلنا سعداء لا يشوبنا شيء ، لكننا ببساطة غرقنا في الحياة !

العودةُ للكتابةِ أشبهُ بشهقةٍ نأخذ منها قدر ما نستطيع من الفرحِ و الحياة ، وحلم طالما راودنا أن نكتب للأبد ، الأمر أشبه بزهرةِ توليب في صحراء قاحلة لم تعرف المُزنَ يومأً ولم يمرّ عليها ، أشبهُ بشهةِ الحياةِ الأولى لجنينٍ رأى مشهد الحياة للمرة الأولى .

أشبهُ بفرحةِ طفلٍ لمشهدَ والداه يصفقان له على خطواتهِ الأولى دون سقطةٍ مؤذيةٍ تبكيه خلالَ فرحته ، الأمر أشبه بشعورٍ أعظمُ من أن يوصف ، لكنه جداً جميل .

على نورِ القمر كانت تتكئ على أرجوحةٍ تطيلُ الحديثَ معي فيها بحمى تُسكرها كلّ مرة لكنّها تحبها جداً وتراها حنونة ، كانت تقولُ لي أن هلاميّة الحياة مزعجةً لها ، و تحكي لي عن تلك الحمى التي ترهقها ، وتحكي عن خوفِ والديها الذين مهما حاولت أن تقنعهما أنها بخير ، يبقان قلقان رُبما من هذيانها .

على نورِ القمر حديثٌ ليليٍ من أمام النافذة بحلمٍ يكبرُ كلّ ليلةٍ ، وكلّ ذكرى تنسجُ خيطاً يكملُ الذكرى التي تسبقه ، على عتباتِ الليل حينما ينتهي يكتبُ القلمُ حلماً يكبرُ في صدري ، حلما أمضي فيه ، وحلمٌ يسردُ على ضوءِ القمرِ كلّ مرة ، حلمٌ لو نهشني نهشاً لسعيتُ إليه أمضي بفرحٍ ، بشوقٍ كاد يقتلني ، إلى الجنّة .

مرّ شهر كدتُ انسى فيه مدونتي ، التي بقت على سطحِ الهاتف ترجو نقرةِ اصبع لكنِّ اتجاهلها في كلِّ مرةٍ فتحتُ هاتفي ، لم أكن منشغلةً بشيء ، ولم أكن أتجاهلها ، ولم أكن لا أستطيع الكتابة ، لكنِّ لا أريدُ الكتابة ، ولا أعلم الأسباب .

مرّ شهرٌ زارني الفرحُ فيهِ مراتٍ ومرات بحمدٍ من الله ، مرّ عليّ مرةً كنتُ فيها معلقةٌ بينَ السماءِ و الأرض ، بجوارِ أبي ، ومرةً كنتُ على مكتبي أنتظرُ الفرحة تلك ، مرّ شهرٌ لم يترك الله فيها رجاء عبده ، مرّ بكلِّ أشيائه أمسكُ القلمَ مرةً أخرى لاكتب .

أظنني قلتُ مئات المرات " من يكتب مرّة لا يستطيع عدم الكتابة بعد ذلك ، الأمر أشبه بموتهِ تدريجياً ، الأمرُ في دمهِ كمسٍ لا شيخَ يقرأ عليهِ و يرقيه و يشفى منها ، الأمرُ يكادُ يكون ضمن كروموسومات الخلايا الأم التي مهما حاولنا أن نتخلّص منها فهيَ منا وفينا " .

   " إن ما نسعى إليه .. يسعى إلينا " ، إن حُلمي حينَ يكبر داخلي ، يُزهرُ بالحبِّ أكثر ، إنني في يومِ مطرٍ أزهرت روحي حروفا ، ها هيَ الآن ربيعاً ، وغداً في الجنةِ تَثمر .