الخميس، 21 يوليو 2016

تعبٌ طويل*




                       
إلى صاحبي الذي أخبرني تلك المرة أني خذلته، وأني لم أعد أجيد الكتابة، أعتذرُ جداً لأني كتبت، أتمنى ألا تقرأ حتى لا تُصدمُ في حرفي أكثر.

و أعلمُ أنكَ سوفَ تقرأ رغماً عني، و أنكَ ستأسفُ على حالِ حرفي، لكن لا بأس، أعترفُ أنكَ كنتَ على حق، و أنتَ دائماً على حق، أني لم أعد اكتب ولا أجيدُ ذلك حتى لكنِّ مصابةٌ بتعبٍ طويل، يكادُ ينهشني نهشاً و أنا أقاوم وابتسم.

أنا محطمةٌ في كلِّ مرةٍ يسألني أحد متى ستكتبي مرةً أخرى، ولا زلتُ أٌقاومُ تلكَ الرغبة بعد كلِّ وهنٍ أصابني وكل إرهاقٍ ووجع، ألا اكتب كان الخيار الأصعبُ في الحياة، وقد مضى عليّ الزمن طويلا منذ أن كتبت، لكنّ أتعلم كنتُ دائماً اكتب وأنا أعلمُ أنك على حق وكنتُ أحلمُ أني ساكتب في الريف، لكنّ هذه الأمنية لا أظنُ أنها سوف تتحقق.

و يحملني الحنينُ دائماً و مراراً وتكراراً إلى هنا، إلى الشغفِ بالكتابةِ، إلى قراءة الأحرف نفسها دون ملل، وببريقٍ في عينيّ لا يُمكن أن يذبل للحظة حتى وإن كان حزن العالم أجمع بين يداي، كنتُ دائماً أعيدُ قراءة ما اكتب مئات المرات في وكلّ قراءة أشعرُ بالدهشة لأني كتبت، لأني قاومت كسرَ العالم وكتبت، وها أنا الآن أقاومُ كسركَ واكتب!

لقد اختفى ذاك البريق من عينايَ دون الكتابةِ دائماً لكنّ أحداً لم يلاحظ ذلك، وبقيتُ أقاومُ كلّ شيء حتى لا يختفي، لكنِّ أعلمُ أنه انجلى، كنتُ دائماً مع ذكرِ التدوين يتراقصُ قلبي، ويطيبُ كلّ جرح، لكنّ الأمر صار يُبكيني ويحزنني، ويحطمُ كل شيءٍ فيّ، و لا زلتُ أمارسهُ بطغيانٍ دون أن ألتفتَ حتى لأي شيء.

كلّ شيء يصبحُ ملهماً حين تقررُ ألا تكتب، كلُّ حزنٍ يتحولُ إلى حروفٍ ترتصُّ بجانب بعضها حين يكون التوقف عن الكتابةِ خيارك، حينما تشعرُ أنكَ مجبرٌ على ذلك لكنَّ أحداً ما لم يجبرك، وكأن الزمان قد اغتصب الصبرُ مني و بقيتُ لا أطيقُ صمتاً ولا حرفاً، تعبٌ طويلٌ يا صاحبي قد حلّ بي.

إلى الغريب الذي لم يكن يوما صديقي .
عليكَ أن تنسى أحياناً ، أن تمضي قدما في الحياة .


* يُتبع.

  

الثلاثاء، 19 أبريل 2016

تنّفس بأحلامك ، عامٌ ثالث

لقد غيّرت الكتابة مجرى حياتي كُليّاً ، غيّرت كلّ خليةٍ مني جذرياً ، أعادت ترتيبِ حياتي ، و غيّرت مواقع كروموسوماتي حتى تُصبح مختلفة بشكلٍ لا يُكتب ، لم أهدف إلى الشهرةِ أو أيُّ مَكسب ، لكنِّ أريدُ أن أحيا حرفياً .


طقوسُ الكتابةِ تمرُّ عليّ أشبهُ بغيمٍ يتجمعُ فوقَ صحراء قاحِلة من الشّعورِ لتُمطر ، ثمّ تتذكر أن هذه صحراء لا حياةَ فيها فيتوقف الغيمِ ليحفظ ما تبقى من زهرٍ لحياةٍ أخرى ، أشبهُ بمرحلةِ البقاء في تابوت لساعات في خوفٍ و خشية لأننا متنا دون أن نفعل شيئاً يُذكر في حَياتنا ، ثمّ نستيقظُ فجأة ليس من كابوسٍ عنيف و إنما في قبرٍ مُخيف لأن الأطباء لم يقدّروا احتماليةِ انخفاض دقات القلب للمستوى الذي لا يُشعرُ بها ، و إنها أشبهُ بالأرض التي تدور حول الشمس دون أن تتأمل مسارها كما نفعلُ نحنُ البشر حين نمشي على صفائحٍ متتاليةٍ من الرخام في مسارٍ طول محاولين تجنّب حدود الصفائح .


إنها أشبه بمضادات تجلّط المَشاعر حتى لا تُسبب تخثراً في الدمِ يؤدي إلى انتفاضةِ مناعةِ الجسم مثيرةً فينا الكثيرُ من الريبةِ و الشكّ ، إنها تدفعنا لأن نقوم بالتأكد من مستوى الهيموجلوبين في الدمِ للتأكد أنها لم تقم بإبادةِ خلايانا الحمراء في سبيلها ، إن هذهِ الطُقوس لن يصفها أي مصطلح طبي مهما حاولت أن أبحث بين كلّ الكتب و كلّ ملاحظات المُحاضرات ، إنها طقوس لا تشبهُ أي طقس ، و لا تشبهُ حتى مور أخدودٍ جويّ قد نزهرُ بعدهُ ألف عام ، في الحقيقةِ إني أبالغُ قليلاً بالوصفِ لأنهُ و كما أسلفتُ سابقاً أن هذا الطقس بالتحديد لا يُوصف .


الكروموسوم الرابع عشر في الموقعِ الرابع و الثلاثون ، الكروموسوم الخاص بأولئك الذين لا يَرون الحياةِ إلا مُلهمة فيتأملون حركةِ النمل وسط قطيعٍ من البقرِ بعد مشاهدةِ ولادةٍ عسيرة لقطةٍ بيضاء شيرازيّة ، لأولئك الذين يتوهّجون في العالم فرحاً ، ويضحكون حتى يقعون على الأرض ضحكاً من مقطعِ فيديو لحلزونةٍ تحاولُ شربَ الماء ، ثمّ يمشون بطريقةٍ مدروسةٍ مُبرمجة كتحرّك الألبومين حاملين كتبهم لتحضر المحاضرةِ دونهم ، بينما هم يتشاركون مقطع الفيديو مع أصدقائهم و يستمرون في الضكِ الهستيري بوِحدة ، ثمّ  يأتون و ينتقدوا المَجانين وكأنهم ليسوا منهم .


الكتابةِ صفة وراثية على مُكتسبة ، إنها تنتقلُ عبر الأجيال تكون إما حاملاً لها أو مُصاباً بها ، إنها تنتقل وتوّرث بمثلِ الوراثةِ المندلية ، إنها قد تكون جيناً صامتاً أو قائداً ، إما تقودك أو تموت بداخلك ، إنها تنتقلُ إلى أبنائك و عبر جيناتك إلى أحفادك ، إنها تُحمل من جيل إلى جيل في كروموسوم مُخلّد لا يموت .


كنتُ قررتُ أن ابدأ بالكتابةِ ألا أذكر الكتابة أن اكتب عن الأحلام و الشغف أو عن المعاطف البيضاء أو الطبّ و ربما الطبخ لكن لا أذكر الكتابة كلياً ، لكنها تستمرُّ بتغيير مجرى حياتي ، تستمرُ بإلغاءِ الخطط الدقيقةِ التي لا ألتزمُ بها بتاتاً ، إنها تدفعني لتحديدِ هدفٍ واحد ثمّ إنها لا تهتم بالتفاصيل الدقيقة المعتّقة التي لا يُلقي لها بالاً أحد ، إنها تُحددُ هدفي بالكتابةِ و تُلغي كلّ ما أردتُ كتابته ، إنها تنتظرني أن أقرر وهيَ من  تأتي بربةِ الإلهام ثمّ تكتب ، إنها تكتبُ بي وتستخدمني كما يستولي الجانُ على جسدِ أحد ، إنها تدفعني لتكذيب قانون الجذب لأنها لا تُجذب ، بل تَبقى مخبئةً حتى تظهر في تفاعلٍ أثناء انخفاض درجةِ الحرارةِ إلى 4 سيليزية ، كالجسيمات المضادة الباردة تظهر ثمّ تختفي بنفسها مع ازدياد درجةِ الحرارة ، تدفعُ المشاعر كلها لتجتمد حتى تستفيق ثمّ تتلاشى وحدها .


آخ ، لقد تجاوزني الحرف هذه المرةِ أيضاً .


نصفُ مشاكلي في الكتابةِ أني لا اكتب كما أردت ، النصفُ الآخر أنني عندما أريدُ أن أكتب لا يشبهُ النتاج كلّ ما أردتُ كتابته ، إن الأمر ليسَ متعلقاً بكلّ الحروف التي أكتبها ، الأمرمتعلق تحديداً بالإبتسامةِ المُرتسمة على شفتيّ حينما أنقر الزّر ( نشر ) .


أنا في العالم الموازي خشبةً مرميةً في عرضِ البحر ، تتقلّب بيَ الأمواج يمنةً ويسرة حتى استقرُّ في جزيرةٍ مهجورة ، ما إن أشعر بالراحةِ من تقلّب الأمواج حتى تمتدُّ إلى يدِ بشريّ فيحرقني ليتدفأ ، و تتقاذفني الريح حتى أختفي .


حُلمي حالياً أن أعمل في مركزِ أبحاثٍ طبيّ ، اكتشف علاجاً لمرضٍ مناعيّ كان مرضاه قد يأسوا حتى يتوّهج الأمل في قلوبهم ، ثمّ أفوزُ بجائزةِ نوبل بعدها بأعوام و ألقي كَلمتي أمام جمهرةِ العُلماء ، ثمّ يصفّق الجميعُ بحرارة و أردى دموعَ أبي فرحا و فخرا ، و يحتضنني و أقبّله حتى يختلط دمعي بدمعهِ فرحا ، و أن اكتب رواية تكون إرثاً لأبنائي ، أشبهُ بتميمةٍ تحميهم من وجعِ الحياةِ ، لأنا أقتفي أثر لا أحد لأكون الأحد الذي يَقتفي من بعدهِ الآخرون بهِ .


أريد أن يحملني العالم غيمةً تتقلّبُ فيه ، و أن أهاجر دون أيُّ فِلس ، أن أمشي في الريفِ السويسريّ و أبقى في كوخٍ خشبيّ كنزي حينها عائلتي ومدونتي ، أن اكتب الكثير من الرسائل الورقية للعابرين الذين لن أقابلهم مرةً أخرى ، أن أحمل كلّ من أحبهُ على عاتقي و أعيشُ معهم في الجنّةِ أماناً أبدياً .
التاسعُ عشر من أبريل : مدونتي تكملُ عامها الثالث ، شُكراً لمن ألهم ، شكراً للمعلمِ الأول أبي ،  والذين مروا على خاطري وأنا أكتب " حبيب الفؤاد ، شَغف ، رواء ، هَديل ، شَذى و مؤشرات " ، وشكراً إن كنتَ تقرأ هُنا .
امسحوا الدمعَ الحزين ، دعوا أحلامكم تنتفس .



18\4\2016 م
11:09 مَ


الأحد، 20 مارس 2016

رسالة

إلى زميلي الذي يظنُّ بأنني حمقاء و أنني أغبى من على هذه الأرض ، سأخبرك أن هذهِ الرسالة لكَ من أول حرفٍ لها لآخر حرف ، وأني لن أندم عليها .

عمومُ الخطأ لا يعني جوازه ، ووجود شخص واحد في طريق الحقّ وحيداً لا يعني أنهُ هو على خطأ ، اختلاف التفكير و النظرِ للأمور لا يعني أن الفكرَ المختلف هو الخطأ ، اختلافُ زوايا النظرِ لا تجعل من الزاويةِ العمياءِ وإن كانت غالبةً بصيرة .

لتحمل على عاتِقكِ رسالةً كانت ستكونُ في طيات الذكريات لو أن الذين سبقونا ما جاهدوا وصبروا و اصطبروا عليها ، ولو أن المئات لم يموتوا في سبيلها لما بقت موصولةٌ إلينا ، و لو استسلم الصحابةُ بينَ يدي بني قريش لما كان الإسلام نوراً يهتدي بهِ الناس قرونا و دهورا .

إنك في حياتكَ قد تصاحب الصالح و الطالح ، و قد تبتعد عمّن يسوء صيته بين الناس خوفاً على نفسكَ من الوقوع في دائرةِ الحيرةِ و التيه بسببه ، وإنك لتقرأ القرآن فجراً و تصاحُب إمام المسجد الواقع بجوارِ مسكنك ، وقد تمضي يومكَ بين كتبِ الإسلام و الآداب و تبقى مع أهلك تقرأ القرآن و تذكر الله أناء الليلِ وأثناء النهار لكنكَ تبقى بوجهٍ جامدٍ أمام المنحرفين عن طريق الله .

إنك قد تشهد أخاكَ يسرق و تقولُ " إن الله يهدي من يشاء " ، وترى صاحبكَ يمارسُ الرذيلة و تلفُّ عينكَ عنه كأنكَ لم ترى ، و تسمعُ تأتأةِ الطلبةِ في وسطِ قاعةِ الإمتحان ثمّ تتجاهلُ كأنك لم ترى ، وترى ما يغضبُ الله أمامكَ و أمام ناظريكِ ويمرُّ خلالكَ وبين يديكَ ثمّ تتجاهل كأنك لم تكن ، و كان ما يحدث لا يمسك بأي شيء ، ألا تغضب على دينك ؟ ألأ تغار ؟
إنني و إن كنتَ لا تغضب فإنني أغضب ، وإن كان ضميركَ ميتاً فضميري لا زال يتنفس ، وإن كان قلبكَ لا يمسك بأي ألم فقلبي يوجعني أشدُّ أنواع الألم ، و إن كنتَ تنامُ الليلَ مرتاحاً مطمئناً غير مبالٍ بما يدور حولكَ فأنا أُبالي ، أنا مع الحقِّ أينما كان ولو كنتُ وحدي ولو كان الطريقِ مثقلاً بالوجعِ و الشوكِ و الحصى .

" من قال أن طريقَ الجنّة مغطىً بالورود ؟ " من قال أن الشوكَ لا يرميك وأن الدمع لا يمسّك و أن روحكَ لا تموتُ ألفَ مرةٍ حتى تصلَ إليها ، من قال أنكَ لن تمسكَ بدينكَ كالقابضِ على الجمرِ حتى تستفيق ، ومن قال أنك لن تمضي الليل حيراناً كيف ترضي الضمير .

عزيزي زميلي الواعي : إن كنتَ ترضى أن تبقى بذاك الحمق فأنا لن أرضى به ، أنا لن أصمت تجاهِ الباطلِ ولو اجتمعت الأنسُ والجنُّ عليهِ ضدي ، و أني عن طريق الحقِّ لن أنثني ، وإني لن أتعاون على الإثمِ مع أحد ولو كان جزءاً مني .

أنا لن أكون خرقةً باليةٍ على هذه الأرض ، ولن أرضى أن تكون كذلك وإن رضيتَ لنفسك ، أنا لن أقبل بمريضٍ بين يديكِ ظمآنٍ أسف ، و أنت بينَ ضحكةٍ و ترفٍ في النعيم مُستقر ، تترنمُ بالغناءِ و العويلِ في يومٍ سعيد ، و أهلُ المسكينِ في صياحٍ و نواح ، و كلّ العالمِ واقفاً بينَ يديكِ لتعتذر ، لكنكَ " كنتَ ميتاً في بحورِ الإثمِ و الغيِّ غريقاً " ، ساقكَ الشيطانُ طمعاً في الدنيا و بعتَ الدينِ رخصاً كالترابِ ، و سمعتَ بتواترٍ عن خيرِ خلقِ الله إنكَ لستُ منهُ ، لكنكَ غارقٌ في طمعِ ذاتك .

حدّ الصمتِ قبل الإنفجارُ يمؤلني العتابِ لكنِّ فعلتُ ما كان عليّ فعله قبل أشهرٍ طويلة ، وفعلتُ ما أراحَ ضميري و تركني أنامُ مطمئنا ، ولا أندمُ أبداً مهما ثقُلت عليّ النظرات ، وكثُرت خلف أذني الشوشرات ، يا رب طريقِ الإيمان الحقِّ اهدني إليهِ و إياهم .

زميلي الصالح الفاسِد : لأقعدنَ أنادي بالصراطِ المستقيم إن كنتَ تأثم ، ولأسهرن الليل في همسٍ إلى الله اسأله الهدايةَ لك ، ولأشربنَ العلمَ بحراً مالحاً لن أنثني ، ولأسالنّ الله حقّ خلافةٍ في الأرض لن أيأس ، ولأرمينّ الزهرَ في وجهِ شوككَ كلما ترمي ، ولأزهرنّ اليوم و غداً كما الأمس آبدا .

إن كنتَ وجدتَ نفسكَ بين أي سطر فأنت مَقصود .

اللهم علّمني ودلّني للصواب ، أرشدني حتى أفهمُ و أنتفع ، حتى لا يموتُ بينَ يدي مريض و أموتُ بعده ، دلّني لليقينِ حتى أنامُ مطمئنا .

الأربعاء، 24 فبراير 2016

معطفٌ أبيض - 3




قالت لي :  أنا لا أجبر أحداً للاستماع إليّ ، إن كان يريد فله ذلك و إن كان لا فهوَ حُر .
أمام ناظريّ شيءٌ من الدهشة و أنا أسأل لنفسي كيف لنا ألا نسمع ، كيف للبعضِ وبكلّ وقاحةٍ أن يخرّج هاتفه و الطبيب أمامه يتحدث عن حياةِ شخصٍ كان على وشكِ الموت ، أو أنه يحاول الآن تقبّل فكرة الرحيل ، وأن أهله يكفكفونَ دموعهم في الخفاءِ متظاهرينَ بشيءٍ من القوّة ، علّه يتمسك بشيءٍ من الأمل .

كيف لنا أن نتجاهل ملامح الإندهاش في وجوهنا و نحنُ نقوم بعدِّ مئات الخلايا التي في غير موقعها لأن صاحبها في المرحلةِ الأخيرة من اللوكيميا ( سرطان الدم ) ، كيفَ لقلوبنا أن تتحمل تلكَ التشوّهات و ذاك الكمّ الهائل من الوجعِ أمام ناظرينا ، وكيف لنا و بكلِّ غباءٍ أن نغشّ في محاولةِ غسل خلايا الدمِ الحمراء و لا ندري أن مريضٍ سيموتُ جراء هذا الفعل من محاولة تجاهل شرح المسؤولة عن المختبر ، وكيف لا نفكر أننا قد يكون بين يدينا دمِ الأقربُ لقلبنا ، وهو يحاول مقاومةِ الوجع بعد السقوط أمام أعيننا .

كيف يُمكنني ألا أبكي وأنا أسمعه يقول لابنته "  اشتقتُ إليكِ ليتني الآن معكِ لكنّ لا تقلقي طلابي يحبونني ويحترموني " وهو الذي يصمت طويلاً في انتظار الطلبةِ أن يتوقفوا عن اللغو و الضحكِ الساخر على كلّ ما هبّ ودبّ ، كيف لنا أن نسخّر أنفسنا ونصبر و نصطبر على كلّ ما يمرّ علينا  ، إن الوجعَ أعمق ونحنُ نرى تفاصيل التفاصيل مكبرةً آلاف المرات و هي مخبئةِ بشكلٍ ما لألا تكون ظاهرةٍ فتوجع ، فأيُّ قلبٍ يكادُ يحتمل الألم موشوماً على كفيّه .

إنهم لا يُجبروننا على الاستماع إليهم لكنّنا نبقى هناك محدقين بعينينِ ناعستين تحاولُ مقاومة كلّ أساليب التشيت لندوّن كل كلمةِ خلفهم حتى لا نقتل مريضاً بينَ أيدينا ، إنهم يجبروننا بما يقولون أن نبقى مستمعين لآخرِ دقيقةٍ في المحاضرة ، ولآخر محاضرةٍ في المقرر ، إنهم يجبروننا أحياناً دون أن نشعر أن نسكب الماء من قارورته على ملابسنا في محاولة التوفيق بينَ الشربِ و الكتابةِ و التركيزِ في آنٍ واحد ، إننا مجبرون دون أن يرغمنا أحدٌ على فعلِ ذلك .

يُخبرنا ويقول لنا بكلّ ألمٍ أن العلاجَ معدوم ، أن على المريض أن يستعدّ للموتِ على كفنٍ من الوجعِ بعد حربٍ مع المرض ، و أننا على يقينٍ أن الأهل فيما بعد عليهم التعامل مع ذلك و تقبّل الرحيل في أوجعِ العُمر ، ويخبرنا أن السبب مجهول و كأنه بطريقةٍ ما يقول أننا فعلاً لا ندري ما قد يسبب المرض ، وحتى مع الأسباب الواردةِ امامنا فإننا لا نستطيع أن نُجزم أنها السبب .

ألا تعرف ما يحصل هوَ ما يُسقطكَ في متاهاتٍ من الحيرة لكن أن تعرف هُناك شيءٌ من الحزنِ يجعلكَ من تبلدٍ من الشعور ، أو شعورٌ أعمقُ من الحزنِ ذاته ، يمنعكَ من البكاء لكنّه لا يُضعفك ، بل يُظهركَ بقوةٍ من حديد ، أو أنكَ أصلبُ من الألماس ، بطريقةٍ ما أنتَ صلبٌ هش لا يمكن تمزيقكَ حتى ، أو أنه لا يُمكنك البكاء .

كيفَ رحلت جدتي وأيُّ ذاك الذي كان يحيطُ بدمها بشيء من الموتِ و كيف أنني في كلّ مرةٍ أتأمل بها تلكَ الخلايا أشعرُ بالسوءِ من موتِ جدتي دون أن أشعر بوجعها ، دون أن أبكي معها ، و دون أن أقاوم معها ، فأهرب في محاولةِ شربٍ الكثير من الماء و البقاءُ بالكثير من الصمت .

إننا ندفعُ كلّ يوم ثمنَ ذلك المعطف الأبيض ، ثمنَ الألمِ الذي ندري أنه هناك في أحدٍ دون أن نشعر به ، ثمن مقاومة المريض وحده ، و ثمنِ الطبطبةِ على البؤسِ بدعاءٍ عميق ، إننا ندفعُ ثمن أننا نعرف و نريدُ أن نعرف بالتمسكِ بالنور من ظلماتِ الحلم ، و إننا ندفعُ ثمن الشعور الأعظم الذي يُخالطنا ، أن الله العظيم خلقَ بعظمة ، سوى الإنسان و أحسن صورته و أخبرنا في كتابه " ولقد خلقنا الإنسان في أحسنِ تقويم " ، أخبرنا بكلّ التفاصيل لكننا بالكثير من الجهلِ وقليلٌ من المعرفة ، معرفةِ كلّ ما خلفَ المعطف الأبيض الذي ينادينا كلّ مرة : هيتَ لكَ أنكَ رغبتَ بي ، و أقول أنني أجبرتُ لأنني أحلم .

( اللهم اشفِ المسلمين و المسلمات ، وكلّ من توجعِ في الظلمات ، شفاءً لا يغادرُ سقماً )


-         شُكراً لمن ألهم .

الاثنين، 4 يناير 2016

لكَ اللهم قلبي

إلى الذي توقف عن الكتابةِ رغم حاجته إليها ، إلى من لا يعرف ما سيكتب لكنّه كان يكتب ، أنا أنضم إليك بالكلام الطويل الذي لم يُكتب .

أنضم إليك بالحديث المزخرف الذي لا أعرف كيف أقوله ، بأحاديثي الطويلة مع الغرباء العابرين ، بالمضي قدما في هذه الحياة ،  بعد أن ننسى كلّ ما رحل ، ونقدّر الموجود .

كلّ شيء وُلد مع المطر ، كل الفرح و البهجة ، و إندلاع الحياةِ داخلنا ، كله أتى مع المطر ، حتى الصمت الطويل انبثق منه حديثٌ مفصّل بحب .

و أنت بعيدٌ جداً دون أن أعرفك حتى ، أو أننا نتصادف أحياناً دون أن ندرك أننا نحن الغرباء الذين لا نعرف أنفسنا ، و نتصافحُ في دروبِ الحياة ، نهدي بعضنا طمأنينةً بلطافة العالم ، و نضمُّ بعضنا في دعواتٍ تطوّق الأمل ، و تهدينا الفرح بعد أن نتجرّعُ لوعة الألم .

و أنا أرى رحماتٌ تتساقطُ علينا من السماء لتسقي الشجرةُ التي وَهنت بعد أن تساقطتُ كلّ أوراقها ، و بقت تحتضن وريقاتها الجافة بينَ أذرعها بدفء ، و كأن الحياة ستهضمها إن لم تحتويها ، وتموت .

أدركتُ يقينا أن كلّ الغرباء الذين صافحوني ذاقوا من لوعةِ هذه الحياة ، أم أنهم حملوا أثقالاً ضعفَ أثقالي التي أبكتني ضعفاً ، و أني ضعيفةٌ جداً أمام صفعات الحياة ، مشتكيةً من الوحدة رغم دفء الأحضان التي تجبر كلّ وجع ، و أنارت ليلةً مظلمةً مشبعةً بالبرودة القارسة .

و كان الليلُ رؤوفا لطيفاً حينما قاد قلبي للنور في ذاك السواد الحالك ، و رغم خشخشةِ الألم ، و صوت الفرح الذي بات قريباً ، ابتدأ ببحةِ سعلةٍ أوجعتِ الليل قلقاً ، لكنِّ الله هو الرفيق حتى ادفأ الأحزان ، و أسكن الونّات ، وجعل هذه الحياة طمأنينةً ، ونبراساً منيراً للذي هو آت .

نألف قلوباً تدوم لنا طويلاً ، و قلوباً تمضي في حيواتنا على عجل ، نصادف من نبغضهم من النظرةِ الأولى ، دون أن نحملُ هماً بمحاولة مصافحتهم معلنين عن قرباً طويل ، و هناك من يجعلهم الله في قلوبنا فجأة ، و كلهم عابرين و نحن على يقينٍ أن لا أحد باقٍ لأحد .

تنتفضُ بنا الحياةِ مراتٍ و مراتٍ حتى تلكَ النفضةِ الأخيرة التي لن نشعر بألمها ، لكنّنا وعلى دعاءٍ عميقٍ أن يحمينا الله من انتفاضةِ الجميعِ عنا ، ليبقى من يمضي الليل يدعو أن يتغمدنا الله برحمته ، أن يرزقنا الجنّةِ بغير حساب ولا سابقةِ عذاب ، و أننا كلما سألنا الله أن يرزقنا بذاكَ الذي ينتفضُ بعدنا ، نسأله أن نبقى بثباتٍ في طريقِ الطمأنينة ، وطريق الجنّة التي لا نظمأ بعدها أبدا .

من أرسل السلوى و الآيات ، و أنزل علينا ربةِ الإلهام بعد المطر ، و من جعلنا نسأله و بيقينٍ أنه قريب ، و إن رجوناه آملا لا يخذل ، بعد كلّ انكسارٍ كان لنا الجبرَ و الفرح ، من أبسط لنا لذة الحياة الدنيا بقربه ، و من جعل كلّ أحلامنا تمضي إليه بلا كلل ، وكل سؤلٍ كان مجاباً دون اكتفاء ، إني إليه ، و إني إليه راجع .

و من غيركَ يا حبيبي كنتَ لي أُنساً ، وإني بكَ قوةً لا تكسرها أي قوّة ، و إني بكلّ جوارحي آمنتُ بك ، و إني مضيتُ إليكَ في شوقٍ لرضاك و جنتك ، و أنت من كنتَ لي حبل النجاةِ من الخيبات ، و كنتَ انت يا إلهي رفيق الأوجاع و كشفت عني كلّ كربةٍ و هم .

ناصيتي بيدك ، ماضيةٌ إليك ، ماضٍ فيّ حُكمك ، وعدلٌ فيّ قضائك ، أن لستُ بمعصومةٍ عن الزلل ، و لستُ التي لا اسيء القولَ أو الفعل ، وإني على يقينٍ مهما أخطأت كان لي رباً رحيما غفورا .

لو كان مثل زبد البحر ذنبي ما قنطتُ من رحمتك ، ولو كان مثل الكون همي أيقنت أنك تفرجه ، و لو كان كلّ صمتِ الأرض فيّ أدركتَ ما فيّ قبل أن أهمس ببنتِ شفه ، إلى أن يبحَ صوتي إلحاحاً حتى تغفر لي ، وترزقني جنّتكَ يا الله .

غريباً انضممت إليه في مشاركتهِ حديثٍ طويل ، كان في ترحِ الحياة رفيقاً أم أنه كان بعيد ، كان قريبا صافحتهُ يوماً أم غريب ، كان فظاً غليظ القلب أم لطيف ، كان يوماً في دروبِ العمرِ نوراً أم ظلام ، هذا المطرُ يولدنا مراراً ، و تنبثق فينا الحَياة .


غريبٌ كنتَ أم رفيق ، أم كنتَ صاحباً وونيسْ ، كنتَ من القلب قريباً أو حبيب ، أم كنتَ لي درباً بهذه الحياة و أهديتني سراجاً مُنير ، يبقى مُجبر كلّ كسرٍ رحمنٌ رحيم ، تبقى الحياةُ قصيرةٌ و جنّة الخلدِ الأمان . 

الأحد، 18 أكتوبر 2015

معطفٌ أبيض - 2

يقولُ لنا طبيب علم أمراض الدم أنه كان منتدباً في أحد المستشفيات ، وفي أحد أيام العطلةِ الرسميّة كان عدد فنيّ المختبر قليل في قسم أمراض الدم و كان هُناك الكثير من العينات فالمرضُ لا يعرف وقتاً محدداً ليزور الناس ، ما يُهمّ أنه اختار هو العمل على جهاز بسيط يتطلّب امساك عينة اسفلَ قطعةٍ من الجهاز لتسحب شيئاً من العينة ثم ترتفع تلك القطعة و بعد ثلاثون ثانية تظهر أن النتائج قد تمّت وعليهِ طباعتها .

يقول ما إن أمسكتُ العينة الأولى حتى أتت فتاة أميّة لا تجيد القراءة ولا الكتابة ، لا تجيد حتى كتابة اسمها وظيفتها التي تعمل بها من ثلاث سنوات أن تقوم بتنظيف المُختبر ، أتت إليهِ الفتاة وقالت " أنا سأقوم بالمهمة " ، كانت على رأسه علامة تعجبٍ كبيرة كيف تظن أنها تستطيع القيام بذلك ! .

يقول أنه طلبَ منها أن تريه ما ستفعل ، ووقفت بكل ثقة وأمام الجهاز أمسكت العينة و قامت بالضغط على زر حتى ظهر على الشاشة " ادخل العينة " ، أدخلتها ، ثمّ انتظرت حتى ظهر " تم سحب العينة " فقامت بإعادة عبوةُ العينة ، وانتظرت حتى ظهر في الشاشة " قم بطباعة النتائج " ، فضغظت على زر الطباعة و أعطته قالت " خذ النتائج " .

يقولُ كنتُ مصدوماً جداً ، وسألتها كيف قرأتِ ما كُتب ، فأخبرته أنها لا تجيدُ القراءة لكنها باستمرار تشاهد فنيّ المختبر وهو يقومُ بعمله بادخال واخراج العينة وطباعة النتائج فتعلم أن ما يظهر أولاً يخبرها بالأمر الفلانيّ ، وما يظهر ثانياً يخبرها بالأمر الآخر وهكذا .

لا زال مصدوماً وهي مبتسمة سعيدة كطفلةٍ أُعطيت قطعة حلوى ، كان يحكي لنا وهو مبتسماً عينيه بهما بريقٌ عميقٌ جداً وكأنه كان يحاولُ إخبارنا عظم النعمة التي نحنُ فيها ، وبمعنى آخر أصحاب المعاطفِ البيضاء عُظماء .
هم حقاً عظماء حينما يحاولون أن يوصلون لنا تلكَ الرسالة ، وهم يحاولون لنا أن يشرحون لنا الحبّ الذي يكنونه لما يفعلون ، أنهم يرون أن المرضى يستحقون كلّ الجهود ، وهم مجتهدين لذلك .

معلّم مختبر الأحياء الدقيقة كتب في أول صفحةٍ من كتابه " اعتنِ بالمجهر امامك كأنكَ تعتني بطفلكَ الأول ، أو أقلها بأعز أصدقائك " ، يظلّ يخبرنا أن المجهر هو الصاحب وهو كلّ ما يجب أن نكنّ له الحبّ .

معلم مختبر علم أمراض الدم قال لنا في أول محاضرة " تعاملوا مع الشرائح الزجاجية بلُطف فإنها أغلى من الذهبِ بالنسبةِ لي " ، إنه يخافُ علينا أن نكسرها ، أن نوجعهُ بكسرها ، بطريقةٍ أخرى كان يقول لا تؤذوني في شرائحي ، أخبرني مرّة أنه قد يسامح الطالب لو أنه أحرق المختبر فوقَ رؤوسنا بمهما كان فعله ، لكنّه لن يسامحه على شريحةٍ زجاجيةٍ كسرها ، العجيب أن كلّ الشرائح الزجاجيّة موضوعةٍ في مختبره!

معطفي الأبيض دائماً يذكرني بفترة انتدابي للتدريب في الفصل الصيفي ، و أفكر بكمّ العينات التي رُمت بسبب " انكسار الخلايا فيها " والتي درستُ في أحد مقررات هذا الفصل أنه " كان يجب أن تُفحص قبل أن تُرمى " لأنها قد تكون مصابة بحالة مرضية عن  المرضى المتوجعين الذين وبكلّ بساطة كان يُطلب منا رمي العينات دون أن تُفحص ، لكم بعمقِ القلبِ ألفُ دعوة.


عن شعورِ الحيرة ، وعن المسؤولية ، وعن القلقِ الذي ينتاب أثناء تشخيصٍ ما ، كيفَ أنني في مختبر الكيمياء الطبية بسبب فرق بأجزاء من الواحد في النتيجة كان تشخيصي للمريض خاطئاً ، عن محاسبة النفس في دواخلنا أمام معطفنا الأبيض و عن العمق في قول الطبيب " لا تظنون أبداً أن الآلة أكثر دقةٍ منكم " سنكون بحسنِ ظنّك بإذن الله . 

الأحد، 11 أكتوبر 2015

معطفٌ أبيض - 1



كانت نظراتها لا تُغادرني وهي تشعرُ بالخوفِ رُبما أو الحيرة عن سببِ وجودي في مكتب الطبيبةِ آن ذاك ، ظلّت تقّلب ناظريها بيني وبينَ الطبيبة و هي تشكو ما تشعرُ بهِ ابنتها ذات الأربع عشرة ربيعاً التي ظلّت صامتة طوال الحِوار ، الأم و ابنتها المريضة ينظران إليّ طوال الوقت علّي أهمسُ بحرف و أنا أنظرُ إلى المريضة بتفحّص رأفةً بحالها ، حتى أتى نداء الطبيبة " جهزّي أدواتكِ " ، ما إن أخرجتُ الإبرة حتى صرخت الأم " مُستحيل " ، قالت لها الطبيبة بكلّ هدوء "هيَ مُتدربة لدينا وأحد واجباتها أن تقوم بسحبِ الدم من المرضى ، و قد شهدَت مسؤولة القسم و احدى الطبيبات على قدرتها و أنها ليست المرّة الأولى التي تقوم فيها بهذا العمل " ، غضبت الأم غضبت شديداً وبدأت بالصراخِ و اتهام الطبيبة أنهم لا يهتمون بالمرضى و يحاولون قتلهم ورميهم للمدربين حتى يُقتلوا ، أعلنت الطبيبة بكلّ هدوء أنها هيَ من سيقوم بسحب الدم من الإبنة و اعتذرت إلى الأم التي لا زالت تشتم وتلعن المشفى و الأطباء وكلّ من له علاقة بوجودنا كمتدربين لنسحب من أيادي المرضى .

قالت لي الطبيبة بعد خروجهن " لا بأس كلنا مررنا بموقفٍ مماثل انتظري المريضة التالية " ، أتت المريضة التي بعدها التي قضت ما يقارب عشرون دقيقة تشكو طول الإنتظار و أنها انتظرت طويلاً حتى تقابل الطبيبة خديجة لأنها ترى أنها أفضل طبيبة في ذاك المكان ، وبدأت الطبيبة تفحصها و تطرحُ عليها الأسئلة حتى وصل المشهد " سنقوم بسحبِ عيناتُ دمٍ منكِ لإجراءِ بعض الفحوصات ، استعدي " ، كانت جملتها كصاعقةٍ أُنزلت بالمرأة بقت تقولُ لها أنا انتظرتُ طويلاً لأني لا أشعرُ بأيِّ ألمٍ منكِ وترميني لهؤلاء ، حاولت الطبيبة اقناعها ووافقت على مضضٍ وخوف وسلّمتني يداها التي كانت ترتجفُ خوفاً ، سألتني عن اسمي وأعطيتها اسمي الرباعي وقالت " آه ، أنتِ ابنة المهندس فُلان " ، قلتُ لها " نعم أنا بنته " ، فابتسمت وقالت إذاً أنا على ثقةٍ بكِ ، كان الأمرُ مزعجاً كونها تثق بمتدربة كوني ابنة والدي الذي لا علاقةُ له بالطبّ أبداً لكن لا بأس المهم أنها تثقُ بي الآن ولن ترتجف واخطئُ حينها ، أمسكتُ بطرفِ الابرة حتى أُدخلها ، وبدأت تنطقُ الشهادتين وآيات القرآن بسرعةٍ كبيرة حتى أعلنتُ لها أنني انتهيت ، وقالت بفرحٍ " آه أنتِ مثل الطبيبة خديجة لم أشعر بشيء اطلاقاً " ، حييتني وانطلقت .

المريضةُ الثالثة ما إن شاهدت الإبرة حتى بدأت بالصراخ ارجوكِ لا تفعلي ، اتركي دمي ، وبدأت تبكي و تولول ، الغريب أنها في العشرين من عمرها ، أمسكت يدي وبدأت تقولُ لي ارجوكِ لا تفعلي ارجوكِ حتى تركتُ الابرة من مشهدها المؤلم وتركتُ كل شيء خلفي وانسحبت ، عدتُ لاحقاً لتخبرني الطبيبة أنها لم تستطع سحب الدم منها وأرسلها لأقرب مشفى حتى يشخصّون حالتها .

عن تلكَ المراة الكبيرةُ في السنّ التي خفتُ من دمائها التي سالت فورَ إدخالي للابرة و سحبتُها سريعاً من وريدها ، لم أكن أعلم أن هذهِ الحالات قد تحدُث حتى أخبرني الطبيب بعد هذا المشهد وكلّ ما فعلته المرأة أن ابتسمت لي وقالت لا بأس حاولي في يدي الأخرى ، لكنِّ انسحبت و اعطاني الطبيبة الأبرة التي تسحب الدم لا التي تُدخل في يد المريضة وقال لي أنا أدخلها واسحبي ، وما إن امتلت لنهايتها حتى فُكّت اجزائها بغيرِ قصد و سُكبت دمائها فيها و فيّ وملء ملابسِ الطبيب ، ارتجفتُ حينها وخفت لكنها كانت تكرر " لا بأس ، إن لم تتعلموا فينا في من ستتعلموا ، لا بأس ابنتي " ، ظلّت الابتسامة لا تُفارقها وهي تهدئ من خوفي وقلقي عليها وهي تردد لا بأس تعلموا ، لتكونوا كباراً !

هربتُ حينها إلى حيثُ ننتمي و نحنُ نحكي للمسؤولة عمّا حدث و كلّي قلقٌ عليها و أخبرتني أنّ الخطأ في المصنع وأنهم واجهوا نفس المشهد بسببِ رداءة صنع بعض الإبر ، أتت في نهاية اليوم لتسلم علينا العجوزُ الباسمة التي لا أعلم من قام بسحب الدم منها بعدها ، راودني طيفها طوال اليوم و لم أنم ليلتها ضميرٌ قاتلٌ كان يحاربني أنني أوجعتها فيما كانت تهدئ من روعي وتقولُ لي لا شيء موجع .

عن ذاك الطفل الذي كان يصرخُ ويبكي و فيما كنا ثلاثة مع والده نحاولُ الامساك بيده ، وكنت ارتجف ، كانا اللذان معي ينظران إليّ وأنا أكادُ ارتجفُ معه و عيناي اغرورقت بالدمع من صراخه و خوف أمه التي كانت 
تبتعد من كلّ صرخة ، كنتُ انظرُ للطبيبة بعدها و اقولُ كيف قاومت الكثير من البكاء و الكثير من الوجع .

إلى كلّ مريض خائفٌ من غلطةِ متدربٍ على يده ، ذاك المتدرب رُبما قضى ليلة أمس في محاولة الإدراك يقيناً ما سيقوم بهِ على يديك ، ذاك المتدرب غاص في المكتبات بحثاً عن معلومةٍ سيعملُ بها لصحتك ، ذاك المتدرب قضى أياماً متنقلاً بين مكتب طبيبٍ لآخر لأجل ألا يخطئ فيك ، ذاك المتدرب لا ينام الليل فيما تغلقُ كلّ أضواء المنزل وهو يقرأ ويذاكر ، ذاك المتدرب يرمي ورقة اسئلة الامتحان تعطى إليه قبل الامتحان حتى يكتب الذي يعرف كي لا يظلمك لأجلِ درجةٍ أو غيرها ، ذاك المتدرب لم يحضر جمعات العائلة طويلاً ، لم يرافقهم في الرحلات ، و فوّت الكثير من المناسبات ، ليكون بالصورة التي ترضيك ، ولينام مرتاح البال حينما لا يخطئ فيك .

فيما يعتقدُ الكثير أننا فاشلين كحال الطبّ لدينا ، هم في الواقع لا ينظرون لعمقِ الأمور ، ولا يعلمون ما يحدثُ في الخفاء ، لا أنكرُ وجود الأخطاء الطبيّة ولكن تبقى بعض القلوب التي يزاحمها الضميرُ في عملها فتجتهد فيهِ بحبّ ، و فيما يبقون يكررون على مسامع أذني كيف تنجحين وأنتِ غبية ، أو يقولون أني فاشلة هم لا يدركون حقاً ما الجهدُ العظيم الذي نمارسه !

العقولُ العقيمة التي تظنّ أن وجودنا وعدمنا سواء فلتحاولُ فقط أن تحدد مكان إدخال الإبرة و عمقها في يديّ مريض ، وفيما يبقى الكثيرين يقولونَ لي أنني " دفشة " و أن المرضى سيموتون على يدي أنتم حقاً حمقى ، طال الزمان و إن قصر سأثبت لكم ذلك .

حينما يأتي ذاك اليوم الذي أصحو فيهِ فجراً لأذهب فيه للمشفى مرتديةً معطفي الأبيض ، أو في منواباتي الليلية أمضي تاركةً النوم خلفي ، لن تستطيع وقتها أن تشتمني لأنك ببساطة ستحتاجُ إليّ يوماً ما ، وبتفصيلٍ أكبر ستدرك الحمق الذي أنت عليه .

ذاتَ يوم ستصحو – أبعد الله عنك السوء و البلاء – في حاجةٍ لطبيب وممرض و مخبتراتيّ وصيدلاني و أيٍّ كان يعملُ في المشفى ، فادعو لهم أن يُباركَ في جهودهم .