الجمعة، 6 أكتوبر 2017

معطفٌ أبيض 6 - تخرّج



كانت السنون أسرع من رمشة العين، لم تكنْ ثقيلةً كما هيَ الآن، و لم نشعر بها حتى وسطَ ضحكات الأصدقاء في عمقِ أحلامهم. 

كان كل شيء ساكنٌ لا يتحرّك، و كانت الأقلام وحدها تصدرُ ذلك الضجيج المزعج، و الأوراق التي تُقلّب أشبهُ بصوتِ الريح، كان المشهد صامتاً لا يتحرك أبداً. 

لقد كنتُ مهووسةٌ بالمختبر طوال فترة دراستي، إنه المكان الأكثر سكينةً في حياتي مهما بلغَ ضجيجه، إن دخولي إليهِ أشبهُ بالمضيْ قدماً نحو الحياةِ مرةً أخرى، في كل مرةٍ دون يأس. 

لقد مَضت هذه السنون وكما يقولون تمضي ولم تشعر بها، لكنِّ شعرت. 
أحسست بكلِ يومٍ هناك، بكل لحظة، كل محاضرة، و كل ساعةٍ في المختبر، لقدْ شعرتُ حتى عندما كنتُ أشبهُ الموتى كنت أشعرُ به. 

أحسستُ بكل الأيام التي مرّت ثقيلةً عليّ أحسبُ فيها يومَ الخلاص، و أحسست بكل الأيام الخفيفة التي لم أرد أن تمضي أبداً. 

إن الشُّعور مختلف، لم أجد الراحة التي قالوا عنها عندما كنتُ طالبة مدرسة "دخولك للكلية سيريحك"، لكنِّ وجدتُ الشَّغف، وجدتُ حباً عظيماً و حُلماً أعظم. 

وجدتُ أحلام السنين في تقاسيمِ الوجوه، و أمنياتٌ طويلةٌ تمتد، تحاكُ في اليومِ ألف مرة، ويعادُ ترتيب خيوطها في اليوم الذي بعده، إن الدراسة بشغف أشبهُ بكومةِ صوف، تدور وتدورُ وتدور، لكنها لا تنتهي عند نقطةِ نهايةٍ أبداً، كما أنك أيضاً لا تستطيع العثور على النهايةِ فيها. 

لقد كبرتُ كثيراً، و أصبحتْ عادة الصباح أن يكون المعطف الأبيض على يميني و قد طُبع في نهايته اسمي، أو رقمي الجامعي حتى أستطيع تمييزه من بين مئات المعاطف هناك، لكنِّ أعرفه، و حتى إن تشابهت كلها، أعرف ذاكَ المعطف، الحلم الذي أرتديه كل يوم، أستطيع تمييزه في كلِّ حين حتى وأنا مغمضةُ العينين. 

تلكَ المرة التي فقدتُ فيها معطفي، لم أستطع أن أعرفهُ فيها، كان ذلك المشهد الأكثرُ حزناً وسط ضجيج أحلامي، كان الأمرُ مزعجاً كأني فقدتُ الشغف حتى، و كان الأمرُ أيضاً يضيقُ بخاطري وكأني أصبحتُ لا أطيقُ صبراً حتى الخلاص، حتى أنني قلتُ أن الأمر لم يعد يهمني، لكنه كان مهماً.

حينما وجدته أدركتُ أن الحلمَ في قلبي ليس في المعطف، أن الحلم يسري بداخلي ليس بمجردِ معطفٍ أبيض، أو بطاقةُ زرقاء بها تصريحُ أنني ذاتُ معطفٍ أبيض، و أن الشغفَ باقٍ فيّ آبداً لا في أي شيء آخر. 

لقد مضت السنون .. ها أنا أعود الآن للمرةِ الأخيرة، للمرةِ التي سيأتي الخلاصُ نهائياً دون رجعةِ أبداً، و أني أخافُ أيضاً أن يقلقني الحنين. 

معطفٌ أبيض للمرةِ الأخيرة، يكادُ لا يتسخُ من الخفة، ويكادُ لا يتسعُ لحلمي و هو يحيك مشروع التخرج، أشبهُ بالأمنية التي طال انتظارها! أشبهُ بكل الأحلام التي أتوق إليها .. أو نتوق إليها معاً. 

إن المضيْ في البحثِ و التحقيقِ و الترقب لهُ شعوره، وإن حسبة الأيام للخلاصِ من هناك لها شعورها، و إن ترّقب التخرج لأمرُ مقلقُ و مفرح. 

قد قلتُ ذاتَ مرة، إن الحياة قد تبدأ مرةً أخرى في لحظةِ تخرجك، وأنا أعي ذلكَ يقيناً. ستبدأ الحياةُ مرةً أخرى، بعيداً عن كل شيء، عن المختبر الدراسيّ إلى الحياةِ الحقيقية في مختبرٍ ما. 

الأربعاء، 19 أبريل 2017

" كل شيء يُحدِث الفارق"


تمرُّ اليوم ذكرى ميلادٍ جديدة، لحظةٍ كانت تشبهُ الإنفجار العظيم بداخلي، أصبحَ كل شيءٍ فيها يُحدثُ الفارق، في كلٍ مرةٍ كنتُ اكتب ليسَ لأنني أقدرُ على ذلك، لأن الأمرَ كان يشبهُ النوم العميق بعد تسليم ورقة الإمتحان الأخيرة في نهايةِ فصلِ التخرج، ليسَ لأن الكتابة تمحي الأوجاع - لا أعلم أصلاً من هذا الذي يؤمن بذلك - لكنّها أشبهَ بالماء البارد على جسدٍ أرهقتهُ الحُمى لأيامٍ طويلة، إنها تشبهُ نبع الحياة الذي كلما مزّقتني أتيتُ لأرتوي منها، ولأنني أجدُ روحي هُنا كلما جهلتُ أينَ أصبحت لحظتها.


هناكَ تماماً أصابتني في القلب، كنتُ دائماً أقولُ أنها كالوتين، حتى أدركتُ إنها أقرب من ذلك تماماً، تتشبثُ بي و تعبر خلال حجراتِ قلبي الأربعة، لكنها تبقى في البطينِ الأيمن طويلاً تستريح، إنها ممتدةٌ فيّ امتداداً أعمق من بقائها في ذلك البطين المرتجف في كلِّ مرةٍ تقررُ فيها العقدة الجيبية الأذينية الإنقباض، تنقبض فتتكتل كل أحلامي حتى تستريحَ في امتدادٍ رحبٍ كلما توّسع القلبُ في المدى.


إنني أدركُ منذ الزمنِ البعيد أن السّماء مهما اشتدت حلكتها تبقى في قلوبنا زرقاء لا يتغيّر لونها، و أن لبّ البحرِ كان دائماً عاكسٌ للسماء، و أن المطرَ صوتاً حانياً يشبهُ أصوات الأمهات حين تربتُ على أكتافنا كلما حزنا، و أن العواصفُ ما هيَ إلا احتضانٌ للسماء كلما حَزنت قبل البكاء.


إنني أؤمن يقيناً بتكرار الولادات في كل يوم ومع شروق كل شمس، كولادةِ أصدقاء الشارع الذين نلمحهم من نوافذِ الطرقات فيبتسمون لنا و كأننا أصدقاء منذ زمن،كولادةِ الضوء في المجهرِ من الصفر حتى ترتسمُ تقاسيم النسيج أسفله، كولادةِ الزهرِ لأول مرة في الشجرة التي حرصنا على سقيها للماء في نهايةِ كل يومٍ دراسي، كولادةِ النبض في قلبي كلما أغلقتُ أذنايَ و شعرتُ أن الكون كله في داخلي، وكأني ضوضاء العالم ما هيَ إلا انعكاس أعدادٍ من النبض لا تنتهي.


إن الحياة كلها مبنية على الشغف، إنها مبنيةٍ على حلمٍ نملكه، وحلم آخر حققناه، إنها لا تتمُّ حتى بدون أحلام حتى وإننا دائماً نموتُو نحيا لأجلِ أحلامنا ألف مرة، و كان حلمي دائماً أنني في معطفٍ أبيضِ و مختبر.


يتحدثُ قلبي في ذكرى السنينِ الأربعة: " افسحِ لي حرفكِ، أودُّ الخلود في جنتي" و لو أن ألف يومٍ قد كان الصمتُ صديقنا لانفجرَ حرفاً ذات مرة عن ألفِ عام.
-
إلى مدونتي.
يعلمُ الله أنكِ الشفاءِ عند الحزن، و الأحلامُ تنبتُ منكِ كلما يئست، و إنكِ الأقدر على مواساتي، و إنكِ القرار الأمثل في تاريخي، و إنكِ تحتوين أحلامي التي كتبتُ والتي لم تكتب لكنِّني اقرأها فيكِ دون أحد، يعلمُ الله أنكِ الزّهر في بداية الربيع، ونسائم المطرَ في رعودِ الشتاء، و أنكِ تشبهين الإندروفين بعد الألم، و "تشبهين كل شيء يحدِث الفارق" ، إنكِ أشبهُ بصلواتِ الأمنيات، و حديث البؤساء بعد التمسكِ ببصيصٍ من الأمل، و تشبهين كل شيء جعلَ الحياة أجمل، أعاهدكِ مهما طال الغياب عن هنا ستكونين أول من أتلو عليه القسم وسأقول حينها " اشهدي هذا المساءِ أنني قلتُ القسم".



كل عام وذكرى وجودكِ نبراس قلبي.
عن: التاسع عشر من نيسان.




خارج النص: " كنتُ أشعرُ بالقلقِ في كل الأيام السابقة، كنتُ أشعرُ أنني أخون العهدِ لأني لم اكتب ساكتب، لكنِّ كتبت، شكراً لمن ألهم".

الاثنين، 13 فبراير 2017

كنتُ طفلة .. وكنتُ أعتقد



كنتُ طفلة عندما كنتُ على يقينٍ تام أن الجنّة واقِعة خلف باب الكعبة، وكنتُ اتأكد من معلوماتي في كلّ مرة أرى فيها صور الحجاج و هم يرفعون أيديهم على باب الكعبة، و كنتُ أُخطِطُ أني حالما أكبر سأذهب إلى مكة، وأبلغ الجنّة.

وكنتُ أعتقدُ إعتقاداً تاماً أننا ما دُمنا نشهد أن لا إله إلا الله، فإننا جميعاً سنجتمعُ في الجنةِ دون أدنى شك، و أني في الجنّة سأجدُ شجرة ورد، فأنا أحبُّ الورد، فحضوره لا بد منه ما دمتُ الجنّة، و كنتُ أؤمن أن أفضل ما في صلاةِ الجمعه دعائها، لأن صوت أبي كان يصدحُ في المنابرِ وهو يدعو.

كنتُ من ناحيةٍ أخرى أظنُ أن لمصابيح الشارعِ آلاف المفاتيح في جدارٍ كبير، وأنه في مكانٍ ما هناك آلاف العُمال الذين يجتهدون كل يوم لإنارتها في اللحظةِ ذاتها، و كنتُ أتخيل أن يرددون جميعاً معاً: واحد .. اثنان .. ثلاثة، و تُنارُ المدينة لحظتها مرةً واحدة.

كنتُ أعتقدُ أن الكتّاب هم أكثر الناس حظاً، يليهم الرسامون، و كنتُ سيئةٌ في كلاهما، و كنتُ أعتقد أن معلمة الدراسات الإجتماعية هي الأكثرُ رعباً في الحياة، و أن الوقوف في ساحة الطابور أولاً هو المشهد الأكثر قلقاً، وكنتُ أعتقدُ أن الثانوية بعيدةً جداً لدرجة أني سأموت قبل بلوغها، و أن معلمة الرياضيات هي الأكثر ثراءً على وجه الأرض.

كنتُ أصدقُ تلك القصص التي تروى عن الجثث التي تُحرّكُ أيديها خارج قبورها في المدرسةِ الواقعة خلف المدرسة، وأن هناك عصابة سوف تحقن الأطفال بفيروساتٍ مميتة، وأننا كعادة محاور الكون: مستهدفين من كل العالم.

كنتُ أظنُّ أن الديناصورات ستعودُ عندما تنقرضُ البشرية، وأن السنافر تعيشُ في الغابة. الغابة البعيدة التي لم نزرها لكنها تقع في نفس الحدود الجغرافية التي أعيشُ فيها، وكنتُ أظنُّ أن المطر هو نتيجةِ عصرِ الغيم بيدِ أحدٍ ما، وأن الزلازِل التي شاهدتها في التلفاز هي نتيجة غضبِ الشيطان لأن الناس لم يطيعوا كلامه، فهزّ الأرض تحت أقدامهم، و أن الثلج الذي لم ترَ بلادي ذرةً منه، لم يتواجد إلا في محطات التلفاز.

كنتُ أظنُّ أن الأصدقاء هم الذين يبقون معنا للأبد و أنهم سندنا السرمديّ، تأكدتُ انهم كذلك سوى أن العائلة هم الأقرب من الأصدقاء، وأنهم عُكاز الحياة.

كان أبي يناديني بالطبيبة كثيراً، حتى حلمتُ بهِ طويلاً، وكنتُ أعتقدُ أن الطب مجرّد معطفٍ أبيض، و دراسةً للكتبِ لا تنتهي، كبرتُ وذاك الشغف في قلبي. كبرتُ وخذلتُ كل أحلامي أبي فيّ، لم أدرس الطب!

في لحظةٍ ما أخبرني أبي أنه فخورٌ بي، ولا زال أبي يناديني بالطبيبة رغم دراستي للطبّ الحيوي لا البشري! وأدركتُ يقيناً أن إيماني وأنا طفلة أن أبي أكثر من يؤمن بي، هو إيماناً أبدياً حتى أموت، بل أنهُ لا يَفنى.
.
.
.

شاركوني بإعتقاداتكم وأنتم صغاراً.

الأحد، 8 يناير 2017

معطفٌ أبيض - 5


لقد مرّ الكثيرُ من الوقت مذ تلك الزيارة الأولى لحرم المعهدِ مع أختي، ومرّ الكثير من الوقت على تلكَ الزيارة الأولى مع عمي إلى المكانِ نفسه. مرّت ثلاثُ سنواتٍ طوال بعد قراري أن أدرس الطب الحيوي ( المختبرات الطبيّة ). كان قراري حازماً فجأة أني لا أريد أن أكون ممرضة، و مرّ وقتٌ طويل على معرفتي (الشلة) التي أصبحنا نادراً ما نلتقي بسبب جداولنا المتعارضة، بعد أن كنا معاً في كل لحظةٍ و ساعة.

إنني أشعرُ بطمأنينة الجنين بداخل رحمِ أمه كلما دخلتُ إلى المختبر، بالتحديد مختبر بنك الدم، إن الشعور نفسه يخالجني في كلّ مرة أمسك بأنابيب الدم بينَ يديّ، كأنني أمسكُ بأحلامي تباعاً خوفاً من ابتعادها عني، أو سقوطها و انكسارها.

و أشعرُ بسكينةِ الإمام في محرابه كلما أغمضتُ عيني في مختبرِ الأنسجة، إنني أدركُ تماماً معنى الشعور حين قال لي الطبيب ليزلي إنه لا يستخدم قفاز حين يمسك بالأعضاء ليشعر بها، إنني أتوقُ لأكون مثله أمسكُ بها و أشعر بها مثله، غير أن هذا الأمر محرمٌ علينا كطلبة! رغم ذلك أنا أمسكتُ بها من خلفِ عينيه، أمسكتُ بها و استنشقتُ رائحة الفورمالين العالقة بها كأنها أفضلُ عطرٍ في العالم، أو كأنها عطرُ أبي الذي أحبه! أغمضتُ عيني طويلاً و تنفست تلكَ الرائحة بحبّ حتى نظر إليّ الطبيب معاتباً، حيث أن الأمر محرمٌ علينا  و إني مدركةٌ لذلك جيداً.

أنا لا أخافُ أبداً من ذاك الجنين المتمسك بخيطٍ من الأمل على هاويةِ الموت في زجاجةٍ موضوعة في أحد أطراف المختبر، الجنين الذي سمعت البعض يقول إن مشهده مخيف، لكنّني استمر بجلب الأصدقاء إليه و أقول انظروا إليه " لطيييييف! "، إن المسؤول عن المختبر وحده يعلم عدد الأشخاص و الأصدقاء الذين أحضرتهم من أقاصي أقسامهم لينظروا إليه، ويندهشوا بنفس الدهشة التي أشعرُ بها، في كلّ نظرةٍ إليه، و إني سمعته يقولُ مرة إنه صديق نهى ، عموماً أظنني أكثر الملاحظين لدرجة شفافية جلده حتى يمكن مع التركيز الشديد رؤية دماغه.

لا زلتُ أحلمُ كثيراً و أذكرُ التخرّج في كل مرة أتذكر فيها أنه تبقى لي من الزمن ثلاثة فصول دراسية، و أتخرّج بسلامِ، كسلام المسلمين يوم إذ دخلوا بكةَ في يومٍ مبارك، و أدركُ يقيناً أنه سيكون يوماً مبارك. لا زلتُ أحلم بالقسمِ الطبي في كلّ مرة أجتهد فيها لامتحان ما أن أردد ( أقسم بالله العلي العظيم، أن أكون مخلصاً لله، و الوطن و جلالة السلطان، و أن أحافظ على شرفِ المهنةِ و سمعتها، و أن أقوم بواجباتي بكلّ أمانةٍ و إخلاص، و أن أتعاون مع زملائي في العمل، و أن أكون على الدوام في سبيلِ رحمةِ الله، و الله على ما أقول شهيد ) ، أن أتخرّج بسلامِ العالمين.


الجمعة، 2 ديسمبر 2016

معطفٌ أبيض - ٤ ( إلى غدير )

إلى غدير بنت بدر أولاً، و كل من يقرأ بعدها ثانياً.

 و أعلمُ أنكِ انتظرتِ طويلاً و ارتقبتِ كثيراً لكنِّ كنتُ في غياهب الصمت، و كنتُ انتظرُ مطرَ السماء حتى اكتب فلم تفعل، و لم أستطع على الصمتِ صبرا، و إني قد قلت لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين، و أتيتُ على آثاري هذهِ اكتب قَصصا.

كنتُ في الثامنة عشر من عمري و أنا أترجفُ بين حُلمين، و كنتُ وقتها أريد ما لا أريد، و أريد البقاء على طمأنينةِ و أحطُّ في سلام، و كنتُ اكتب كثيراً لأتخيّر أحد الحلمين حتى أتاني اليقين بالمضي حتى الوصول، و إن الطريق ذاك أظلم ثمّ أضاء، ثم أظلم و استسلمت، و متُّ بسلامٍ ثم استيقظتُ على نور فجرٍ لا ينجلي.

إلى غدير حين قالت: إني على يقين أن ما كتبتِ كان السبب في اختياري لتخصصٍ متعلقٍ بالطب (غدير الآن طالبة طب).
إلى أبي حين أخبرني أنه فخورٌ بي.

وإلى الأحلام التي تروى صباح كل يوم.

و إلى كل من كان يحلم حينما طرحتُ سؤالي بماذا تحلمون.

كان المكان هادئاً جداً بينما كان الجميعُ يتحدث بصوتٍ عالي، كانت سكينةُ الكون أُلقيت في صدري متجاهلةً كل الأصوات الخاشعةِ التي تتحدث بلا صمت، و كنتُ استمع لصوته فقط، دون أي صوتٍ آخر و هو يقول: ثمّ يموت.

الأمرُ لا يبدو هيناً أبداً و أنت تقف على مسمع الخمسين فرداً و تحكي قصص الموت واحدةً تلو الأخرى، و لا يبدو المشهد لطيفاً أبداً عندما تتحدث عن أبسط خطأ من الممكن أن يذهب ضحيته أبٍ لأطفال، أو ابنٍ وحيد لعائلة، أو جدة لخمسين حفيد، أو أمٍ لخمسة أبناء، المشهد لا يكون لطيفاً أبداً مهما كانت الوجوه كلها مبتسمة و هي تستمع.

أنا لا أفهم حقاً شعور الطبيب و هو يلقي دعاباتٍ مضحكة بعد ذكر الموت نفسه، إما أنه يطبطبُ على قلوبنا، أو أنه يواسي نفسه.

مشهد الموت يصبحُ اعتيادياً فجأة، يصبح كأنه لا شيء، يمرُّ مرور العابرين، لكنّه لا يفعلُ أبداً، نبرة الحزن لا تفارقه، ابتسامته تختفي و عيناهُ تصغر و يتنهد بعدها دائماً، إنني أشعر أنه يجبر نفسه دائماً على ذلك، و الأمر يصبح أصعب في كل مرة، مهما بدا سهلاً فهو ليس كذاك.

إلى الهاربين جميعاً إلى ما خلف الكواليس، أنا معكم عندما ترجفُ الأحلام، و تكتب الأقلام، و تعيد القلوب التفكير ألف مرة، أنا معكم في الإجابة السريعة دائماً نحن لا نقابل المرضى، و أحذفُ النص الآخر ليبدو مفقوداً نحنُ تصلنا آلامهم فقط. دون أي شيء آخر.


يُتبع.

الثلاثاء، 20 سبتمبر 2016

تَنهيدة


وكلما ضاق الظلام بعمقِ قلبي اشتعلّ نور الشمسِ حباً، و كلما كان البكاء رفيق ليلي كانت أحلامي تطير، و كأن فجراً قد مضى ورفيقَ العمر يدعو حتى شروق الشمسِ يا الله هيَ، و كلما اشتدّ الأسى أنتَ يا الله حسبي.

سيستجيب، و كانَ قلبي موقناً طول الطريق أنه ما قد يجيبُ على السؤال سواهُ، و أنه ما قد يزولُ الحزن إلا رضاهُ، و أنه ما قد أسعد القلبَ يوماً إلا في رُباهُ، و أنه كان المنجيَ من بطنِ حوت الموت عندما ناداهُ يونسُ في ظلام، و أنه كان الحفيظ من قعرِ بئرٍ كان يوسفَ يبكي فيها رباهُ، و أنه رفيقَ مريم إذ أتاها مخاضُها تحت الجذعِ و أنّت يا رحمن.

عتمةُ القلبِ تزول، ووحشةُ اليأسِ تؤنّس، حتى إذا اشتدّ الأنين لا شيء يطرقُ صدرنا سوى صدى هذا القلب ينبض ثمّ ينادي باسمك " يا قُدوس " فتزهرُ الأحلام قُدساً، ثمّ تطيرُ بنا نجوماً.

تنزعُ الأسى نزعاً، حتى إذا ماتَ الألمُ فينا و انطحنا من شرٍّ كنا نسميهِ سعادة، و إذا بكينا و رجوناكَ أننا نبغي منكَ شرّاً و نحن على يقينٍ أنه سيكونُ فرحاً، ثمّ نبكي قنوطاً، و نرجو منكَ أن تعطينا إياه قسراً، أنتَ يا الله أعلم، أنت تدري أيُّ ذاك الطريق خيرٌ، و أيهُ سيكون فرحاً، إننا نجهل يا حبيبي ما أنتَ ترميهِ من كل شيء، و أنتَ أعلم فأرشدنا لليقينِ حتى في ننعم في جنانِ عدنٍ نمرح.

ذاكَ الفراغُ المستمرّ بقعرِ صدري، ذاك الإحساسُ الغريب بأن هذا بؤس العالم أكبر من كل شيء، ذاك السؤال الذي يمضي معلقاً طول الطريق: أينَ الخلاص؟ تعبٌ و أنت تدري يا إلهي أنني ما عدتُ أطيقُ من الأرضِ صبراً لكنّك تمنحني البقاءُ لأزدهر، و أنت تدري أن احساسي ببؤسي أكبرُ من كل شيء، لكنّ صلاةِ الليلِ تنقذني و تختصرُ الطريق، لكنّها كانت أنيسي، و سورةُ الرحمن كانت ذاك الخلاص، و أنني كلما اختنقتُ من ألمٍ كان طريق الجنةِ أجمل طريق، و أنني على يقينِ أن هذا التعب زائل إذ مضيتُ حتى رافقت الحبيب هناك، إذ قابلتُ وصحبي في الجنان، أنه دار البقاء إذا صبرت، و أنكَ قلتَ في المنزّل "إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ" ، و بشرّتنا يا إلهي بالجنان .. و بشرّتنا على صبرِ دار الفناء.

حاشاهُ أنْ يميتَ قلباً متوكلاً كل الطريق، حاشاهُ أن يردَّ سؤلا باليقينِ أتاه، حاشاهُ أن يكسرَ روحاً بالجبرِ تبكي تسأله، لمَ نبتئس و عندنا ربٌّ إذا  ضاقت ذنوبنا ذعراً بنا يغفر، لمَ نبتئس و عندنا ربٌ إذا اشتدّ بنا الألم يرحم، و إذا اشتكينا إليهِ يفرج.

 إنهُ الله محقق أمنيات البائسين، و مرشد دروب التائهين، و أمانُ خوفَ الخائفين، وسلامُ كل المشردين، و طمأنينةُ بني العالمين.

إلهي إنني أرجوكَ أن تشدد بهِ أزري، و تشركهُ في أمري، كي نسبحك كثيراً و نذكرك كثيرا، و نمضي للجنةِ رفاقاً، و نختصر الطريقِ إليكِ، و نكون في الفردوس جيرانا، و نكون تحت ظل العرشِ أخوانا و أحبابا، إنني أرجوكَ ربي جنة مع من أحب.

نُهى.
١٢:١٧ مَ

الخميس، 21 يوليو 2016

تعبٌ طويل*




                       
إلى صاحبي الذي أخبرني تلك المرة أني خذلته، وأني لم أعد أجيد الكتابة، أعتذرُ جداً لأني كتبت، أتمنى ألا تقرأ حتى لا تُصدمُ في حرفي أكثر.

و أعلمُ أنكَ سوفَ تقرأ رغماً عني، و أنكَ ستأسفُ على حالِ حرفي، لكن لا بأس، أعترفُ أنكَ كنتَ على حق، و أنتَ دائماً على حق، أني لم أعد اكتب ولا أجيدُ ذلك حتى لكنِّ مصابةٌ بتعبٍ طويل، يكادُ ينهشني نهشاً و أنا أقاوم وابتسم.

أنا محطمةٌ في كلِّ مرةٍ يسألني أحد متى ستكتبي مرةً أخرى، ولا زلتُ أٌقاومُ تلكَ الرغبة بعد كلِّ وهنٍ أصابني وكل إرهاقٍ ووجع، ألا اكتب كان الخيار الأصعبُ في الحياة، وقد مضى عليّ الزمن طويلا منذ أن كتبت، لكنّ أتعلم كنتُ دائماً اكتب وأنا أعلمُ أنك على حق وكنتُ أحلمُ أني ساكتب في الريف، لكنّ هذه الأمنية لا أظنُ أنها سوف تتحقق.

و يحملني الحنينُ دائماً و مراراً وتكراراً إلى هنا، إلى الشغفِ بالكتابةِ، إلى قراءة الأحرف نفسها دون ملل، وببريقٍ في عينيّ لا يُمكن أن يذبل للحظة حتى وإن كان حزن العالم أجمع بين يداي، كنتُ دائماً أعيدُ قراءة ما اكتب مئات المرات في وكلّ قراءة أشعرُ بالدهشة لأني كتبت، لأني قاومت كسرَ العالم وكتبت، وها أنا الآن أقاومُ كسركَ واكتب!

لقد اختفى ذاك البريق من عينايَ دون الكتابةِ دائماً لكنّ أحداً لم يلاحظ ذلك، وبقيتُ أقاومُ كلّ شيء حتى لا يختفي، لكنِّ أعلمُ أنه انجلى، كنتُ دائماً مع ذكرِ التدوين يتراقصُ قلبي، ويطيبُ كلّ جرح، لكنّ الأمر صار يُبكيني ويحزنني، ويحطمُ كل شيءٍ فيّ، و لا زلتُ أمارسهُ بطغيانٍ دون أن ألتفتَ حتى لأي شيء.

كلّ شيء يصبحُ ملهماً حين تقررُ ألا تكتب، كلُّ حزنٍ يتحولُ إلى حروفٍ ترتصُّ بجانب بعضها حين يكون التوقف عن الكتابةِ خيارك، حينما تشعرُ أنكَ مجبرٌ على ذلك لكنَّ أحداً ما لم يجبرك، وكأن الزمان قد اغتصب الصبرُ مني و بقيتُ لا أطيقُ صمتاً ولا حرفاً، تعبٌ طويلٌ يا صاحبي قد حلّ بي.

إلى الغريب الذي لم يكن يوما صديقي .
عليكَ أن تنسى أحياناً ، أن تمضي قدما في الحياة .


* يُتبع.