الأحد، 17 مايو 2020

لا جديد سوى كل شيء!



الساعة السابعة صباحاً، لم أنم طوال الليلِ لسببٍ أو سببين مجهولين، إنها المرة الأولى في حياتي التي أطيل السهر في رمضانِ ويتغير جدول نومي كلياً، كنتُ دائماً الشخص الذي حين يتواجد في مكان الدراسة صباح رمضان أكون بكامل طاقتي، لأنني باختصار لا أجيد السهر فيه. ولأنه رُبما إنها المرة الأولى في حياتي التي تمر عليّ أيام رمضان بدون دراسةٍ أو عمل. 
عمل؟  هه لقد كبرت، تلكَ الفتاة التي تهرب من بينِ كتبِ المدرسة لتدوّن "خرابيطها" لم تعد موجودة، كم مرة على ذلك؟ سبع أو ستِ سنوات؟ لا أعلم توقفتُ عن العدِ وربما لأنني أريد أن أدوّن الآن لا أعد السنوات. غمرني هذا الشعور فجأة، مرت أشهرٍ طويلة قبل أن يغمرني مثله منذ فترةٍ طويلة، أعدتُ فتح مدونتي رأيتُ أنها لم تهجر، هناك أرقامٌ متواضعة تتصاعد بين فينةٍ وأخرى "شكراً للأوفياء، واعتذر منكم مجددا". 

ماذا حدث؟ كيف تغيّرت! أعاودُ التفكير مرةٍ أخرى عن تلك المرة التي دوّنتُ فيها هُنا عن المريولِ المدرسي الأزرق الذي رافقني ستُّ سنواتٍ في المدرسة، ثم دونتُ عن أيام دراسةٍ اللغة في الكليةٍ قليلاً، وتحدثتُ مطولاً عن معطفي الأبيض خلال أربعٍ سنوات في الكلية، تحدثتُ كثيراً عن الأحلام والشغف، معلميّ وكل طبيبٍ مرّ عليّ وألهمني، تحدثتُ مطولاً عنهم حتى غادرتُهم، تحدثتُ كثيراً كيف ألهموني في السنةٍ الأخيرةٍ من الدراسة، كيف أوقدوا تلك الشعلةُ داخلي، شعلة الحُب الذي لا ينقطع. كلّ ذلك الشغفِ والحُب هو الذي أعادني مرةٍ أخرى، أعادني وأحيياني وعجنني بطريقةٍ مُختلفة، كنتُ أجلس في ذاتِ الكراسي لساعاتٍ طويلة تكادُ عيناي لا ترمشُ حتى لا أتوهُ في المحاضرة وأنا انظر للمدرس، اليوم أنا مكانه يا للهول!! أقفُ اليوم هناك وأنا أعيدُ ما لُقنتِ وتعلمت ودرست وبعد النصائح والأحلام الطويلةِ، أنا اليوم مدرسة! عدتُ لكليتي مرةٍ أخرى، في ابريل الماضي.. مشيتُ مرة أخرى بعدما انتهى كل شيء في حفلِ التخرج في فبراير حينما قال لي معلمي "مُبارك، وأهلا بكِ مجدداً" ابتسمتُ ابتسامةٍ عريضة وصديقتي تنظرُ إليّ وتقول يا حظك! حظ؟ إنهُ جهدُ وتعبُ السنين يا صديقة، إنه عن كل المرات التي تعبتُ فيها ولم أتوقف! عن كل المراتِ التي سعيتُ وتعبتُ وبكيت ثم عدتُ أقوى وأجلّ! عن كل المرات التي تدركينها وأدركها، كلانا عشناها معاً بطريقةٍ مختلفة. 

حسناً نعودُ لأبريل الماضي، كانت عيوني شبه نائمة، كنتُ بكل حماسي ولكن كنتُ سأنام على أقرب طاولة أو كرسي أو شجرة أو أي شيء، كانت عودتي من سفرٍ لمدة شهرين بعد فارق توقيت ثلاث ساعات قبل ذلك الصباح بيومين! فالاستيقاظ ذلك الصباح كان مرهقاً جداً ـ عموماً ـ ذهبتُ للمواردِ البشرية لأول مرة في حياتي تخطو قدماي قسمٌ مثل ذلك، طرقتُ باب القسمِ مرتين ثم تنفستُ الصعداء ودخلت "لا أعلمُ حتماً إن كان ينبغي أن أطرق الباب أم لا" لم أرَ أحدا في المكان سوى عامل القهوة، سألني ماذا أشرب وأخبرني عن وقتِ بدء توافد الموظفين وهو على بعد نصفِ ساعة، قلتُ لا بأس سأنتظر فلو عدتُ لسيارتي سأنام حتماً طوال اليوم. 

لم يطل انتظاري حتى وصلت أول موظفة "السلام عليكم، أنا اسمي نهى، موظفة جديدة في قسمِ المختبرات، سأباشر عملي اليوم" لم تكن تعلم ما تفعل فوجهي لم يكن وجه موظفة أو اكاديمية حتى قالت "شكلك طفلة!" عموماً هنأتني وانتظرت ساعات حتى حُلّ الأمر.. أمسكتُ بالورقة "إقرار استلام عمل" وقّعت وطلب مني التوجه لرئيس القسم لطلبِ توقيعه! هنا زاد حماسي فهو معلمي ومُرشدي وهو من اختارني لهذه الوظيفة وذهبتُ إليه مسرعة لن أزعجكم بالتفاصيل الطويلة فقد مرّ ما يزيدُ عن السنة يُحال أن اختصر ذلك في تدوينة. 

لأعيد الذكرى عن كلّ المرات التي قدمني معلميّ فيها بـ" نُهى، كانت طالبة وحالياً زميلتنا" بعيونٍ يملأها الفخر، عن حماسهم و عن حماسي وشغفي، عن المراتٍ التي شربتُ فيها القهوةِ معهم وحادثوني، عن كل شيء قد تغيّر، كنتُ في موضعِ الطالب وأصبحتُ المعلم! حتماً كل شيء، كل شيء حرفياً تغيّر. كنتُ أقولُ سأدون هنا ما يحدث مع طلابي، ولكنّ أتوقف عن الكتابة في كل مرة لسببٍ أو لآخر، أُحب طلابي لكن لا أريد أن يقرئوني هنا، فلا أدري إن كانوا سيفعلون، لكنّ أحبهم كثيراً، أحبهم للحدّ الذي أتمنى أن أعلمهم بالحبِ والشغف التي سقيتُ منه أثناء دراستي، أن أكون من يشعل في صدرهم حُب التخصص والإلهام، أن أكون لهم كما كانوا معلميّ لي. 

مرّ الكثير صح؟ طبعاً العام الماضي كان مختلفاً كلياً في حياتي، سفرٌ طويل لوحدي، عمل جديد ووظيفة أحلامي، الزواج من رفيق العمر، السفر مرةً أخرى، اسمي في خططِ المواد، قائمة طلاب ينبغي أن أكون مرشدتهم الأكاديمية "يا إلهي!!! " كل شيء تغيّر لم أعد الشخص نفسهُ أبداً، لم أعد كما كنتُ لكنّ كل شيء هُنا غيرني وكونني، كانت شعلةُ الكتابة وستبقى، لكنِّ لا أعلمُ فعلاً متى ستكون. 

أصدقائي الأوفياء الذين يقرأون هنا حاليا، أُحبكم، كونوا بخير وأخبروني أنكم كذلك وعيشوا بشغف. 
كونوا آمنين!














الأحد، 18 أغسطس 2019

وآمِن لنا خوفنا


كانت الشمسُ حارقةً تلك الظهيرة، لكنْ قلوبنا تقفزُ فرحاً بقدومِ الحفيدة الخامسة، كانت السعادة هي ما يبردُ على قلوبنا، كانت اللهفة للقائها ثانيةً هي كل ما نفكرُ به فلم يمرُّ على ولادتِها سواء يوم ونصف!

كنّا نتسارع اللحظات للاستعداد للذهاب، لكن أذان الظهر باغتنا فطلب مني أبي توصيله إلى المسجدِ حتى لا تفوتهُ الصلاة ثمّ نتوّجه وكل فرحنا الذي لا تسعهُ الأرض إلى منزلِ أختي. تذكرتُ فور نزولِ أبي من السيارة أنني نسيتُ شيئاً في المنزل طلبت مني أمي احضاره، فقررتُ الرجوعَ مرةً أخرى لإحضاره سريعاً قبل أن يُنهي أبي صلاته، فالمنزل لا يبعدُ عن المسجد أكثر من نصفِ كيلو متر، فلا بأس إن ذهبت.

أنا لوحدي في الأمام، أخواتي في الخلف فلا داعي للخروجِ فالشمس لتغيير المقاعد مع تلكَ المسافة القصيرة جداً – اشكرُ الشمس على وجودِها وعدم قدوم أحد أخواتي للأمام – أخذتُ حاجياتي وعدتُ إلى المسجدِ مسرعة، لكي لا يَسبقني أبي. وكنتُ أتحدّث و أقود في سرعة لا تزيد عن 80 كيلومتر كما أتذكر! لكنِّ باستهتار لم أدرك أنني في وسطِ الحارة! حتى رأيتُ السيارة قادمة من اليمينِ فتحتُ عيناي على وسعها وحاولت الضغط على الفرامل! لكنْ كل شيء كان سريعاً دارت بي سيارتي الصغيرة جداً، أغمضتُ عيني وسمعتُ صراخ أختي. لم أغمضها أكثر من ثواني لكنِّ فتحتها والأكياس الهوائية تحميني من كل شيء.

 سمعتُ صراخَ أختي "اخرجن بسرعة!" . فتحتُ باب سيارتي أتثاقل الخطى فألمُ الحرارةِ يخنقني وألمُ ما حدث يخنقني أضعافاً. أتساءلُ عمّا حدث بعدها، التفاصيل تؤرقني، كان اليوم الأكثرُ رعبا في حياتي، قفازي تملؤه الدماء من أنفي، أشعرُ أن رأسي يدور و الشمسُ لا ترحم، أسمعُ بكاء أخواتي ولا أرائهن، أرى الرجلَ الواقف أمامي يحادث الشرطة ويسألني في نفسِ الوقت بمن اتصل، لكنِّ ارتجفُ كُلي مما حدث، فالخوفُ يتملكني بأنا السبب!

ثوانٍ معدودة ونظري مشوشٌ أرغبُ أن أنام وأصحو لأرى كل هذا لم يحدث! أرى الدم من أنفي وأفكرُ في عمليةِ أنفي! لم يمضِ عليها عام هل يعقل أن العملية ستفشل!! كل شيء يدورُ بي وأنا أتمتم "بسم الله الذي لا يضرُّ مع اسمهِ شيءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ وهو السميعُ عليم" قلبي يتمتمها والأرض تدورُ بي، أنا دائماً أوقنُ بأنها ستحميني من كل شيء، فكنتُ أرردها بداخلي وأبكي محاولةً شرحي للرجلِ الغريب أن أبي يبعدُ أمتارٍ قليلة في المسجدِ، لم أشعرُ إلا بالأرضِ تحرقني وتلسعني ورأسي ثقيل! كل شيء مشوشٌ فتحتُ عيني تحت الظلِّ واستجمعتُ قواي اسأل عن هاتفي لأُبلغ أمي أننا تعرضنا لحادث! لكنّ أختي نهتني لألا نُقلقها فالحمدُللهِ آلامنا بسيطة وكلنا بخير، اتصلتُ بزوجي ليهبَّ بالمساعدة، وصل أبي ليحتضنني وأخواتي وسط رجفةِ خوفنا والبكاء، كنتُ أبكي وأكررُ اعتذاري بأنا السبب! وهو يقولُ لا بأس المهم أن جميعكم بخير. لكنِّ لم أرَ أحد أخواتي! إنها ليست هُنا، سألتُ عنها فقالوا أنها بداخل منزلِ أحد الجيران. الجيران الذين اشرعوا أبوابهم لنا، سعفونا بالماءِ والتكييف الباردِ الذي كان مسحة لقلوبنا الخائفة! التفاصيل مشوشةٌ كلها، اذكرُ وصول الإسعاف و صعودي إليها – رغم أن أحد أحلامي رؤيتها من الداخل- لكنِّ كرهتُ نفسي لذلك الحلمِ الغبيّ! فهيَ ليست مشوقة أبداً ما دمتُ فيها بقلقٍ وخوف، لا أعلمُ ما حلَّ بيدي فهي تزدادُ تورُّماً كل دقيقة وأختي تنزفُ أمامي!

وصلنا للمشفى، ساعاتٍ طويلة من الانتظارِ على سريرٍ أبيض والقلقُ على أختي في الغرفةِ الأخرى يقتلني، أريد الاطمئنانُ عليها لكنّ لا طاقة لي بالوقوف، ومسندُ الرقبةِ يزعجني فرقبتي بخير! لكنْ المسعف أمرني بإبقاءه فلا يتم التأكد حتى القيامِ بكلِّ الأشعات. مرّت الساعات الخمس في المشفى طويلة، بدأت كأنها دهراً، استجمعتً طاقتي بعد الساعةِ الثانية لاطمئن على أختي، حضنتها وبكينا معاً، بكينا خوفنا وقلقنا وألمنا معا، بكيتُ ألمها الذي يضاعفُ ألمي أكثر، بكيتُ أنني من كنتُ أقودُ السيارة أكثر وأكثر.

"الحمدُللهِ تستطيعون الذهاب الآن" قولُ الطبيب تلكَ كانت أكبر سعادة في ذلك اليوم المُخيف. خفتُ كثيراً. كثيراَ للدرجةِ التي لم استطع تخطي تلكَ الظهيرةُ بسهولة، كل شيء أصبحَ بخير، نسينا آلامنا و كلُّ ما حدث، نسيتُ سيارتي التي لم أرها بعد ذلك اليومِ لكنِّ لم أنسَ خوفي وقلقي. اليومُ الأكثر خوفاً في حياتي لم يمرَّ هكذا. لا زلتُ أقلقُ عند قيادتي للسيارةِ و يدخلُ أحدٌ فجأةً أمامي، تعادُ تلك الظهيرةُ كلها أمام ناظري وأقلق. لا زلتُ أخاف رغم مرورِ عامٌ وشهر على ذلك الحادثِ، خرجنا بخير والحمدُللهِ ولكنَّ الخوف في صدري.

كتبتُ قبل أيام أن الخوف يتبددُ ما إن نعبرُ عنه، لذلك كتبت. ربما تتبددُ كل هذهِ المخاوف من قلقٍ بعد التعبير عما حدث، و آمِن لنا خوفنا يا الله. أنا بخير. فعلاً!

الأحد، 4 أغسطس 2019

إلى: غادة.





أعلمُ الآن أنكِ لن تقرأي هذهِ الرسالة، و أظنُّ أنكِ لن تقرأيها أبدا. مرّت أشهر على أخرِ مرةٍ كنتِ فيها بين أحضاني، و أيامٌ طويلةٌ على آخر مرةٍ حادثتكِ فيها، تمرُّ الأيام دون أن نشعر أحياناً لكن يمزّقنا الشوق أحياناً كثيرة.

أتعلمين غادة، أفتقدكِ دائماً كما لو أنني أفتقدُ ابنتي، فكما تعلمين أن الخالة أمٌ ثانية، وإن ابنة الأختُ ابنتنا جميعاً، اذكرُ يا غادة كل الأيامِ التي تأتين إليّ باكية بدلالٍ واضح تطلبين مني الذهاب إلى الدكان، أو قطعةُ حلوى أو مشاهدة اليوتيوب "ناروّ" على هاتفي، تبكين وتصرخين بدلالٍ نعرفهُ جميعا، لكنِّ لا أرفضُ لكِ طلبا! انظرُ دائما لطاولة مذاكرتي واتذكركِ وأنتِ تعبثين بأقلامي وأوراقي بشغبٍ طفوليّ وأغضبُ منكِ وأصرخ، لكنِّ أحببتُ كل الأيام التي جلستِ فيها فوقي وانا اقرأ وانتِ تعبثين هنا وهناك.

أحبكِ حين تأتين إليّ راكضةِ تطلبين شيء، وأحبكِ ألف مرّة كلما فتحتُ ذراعي وتهرعين لحضني وتضحكين، أحبُّ ضحكتكِ كثيراً لو تعلمين يا غادة، أّحب كل الأيامِ التي بقينا فيها ساهرين ليلاً في غربتكِ تطلبين مني وعدكِ أنني لن أترككِ تنامين وحدكِ، لكنِّ تركتكِ.

أتدرين يا غادة، أحبُّ أنكِ كلما تنامين بجانبي تمسكين يدي وتقولي  "تصبحين على خير، أحبكِ" وتنامي، ثم يتبعُّ وداعكِ ضحكات كلما قلتُ لكِ نامي، إنكِ مشاكسة، ومدللة، لكنّ دلالكِ يا حبيبة فؤادي قرّة لعيوننا.

أدركتُ أن الخالة أمٌ ثانية في المرةِ الأولى التي أتيتُ لحضانتكِ وهرعتِ إلى حضني فرحاً، تودعيهم بسرعة حتى أنكِ تنسين حقيبتك وحذائك، ذلك الحضنُ كان يساوي الكون كله، اذكرُ أنني قلتُ في تلك الليلةِ أني أريد أن أصبح أماً لأجلِ هذه اللحظة، حين يحتضنني الكونَ كله بين ذراعي طفلة!

أتعلمين يا غادة .. كل مقطع فيديو يُبعثُ منكِ إلينا أسمعه يترددُ في المنزلِ ألف مرة، من كل هاتفٍ في المنزل مكررٌ مرات ومرات كثيرة لكنّ لا أحد يتحدث. إنهُ الشوق يا غادة!


أعلمُ أنكِ لا تقرأين، ولن تقرأين لكن يغالبنا الشوق فنكتب حتى يطمئن الفؤاد.

خالتكِ تحبكِ جداً.

السبت، 2 يونيو 2018

معطفٌ أبيض - 7 "تمّت!"

تتسارعُ النبضات. لا شيء يشبهُ هذا الشعور! إنهُ مُختلف عن كلِّ مرةٍ أنهي فيها فصلاً دراسياً، هذهِ المرةُ كانت النهاية أبدية، من هذا المكان على الأقل.

كنتُ أوقنُ بوشكِ النهايةِ منذ بدء الفصل في أفواهِ المعلمين، في نظراتِهم، في كلماتِهم، في محاضرات هذا الفصل الأحبُّ إلى قلبي لأنها تتحدث كثيراً عن الأحلام والآمال، عن الشّغف والعمل الدؤوب المُخلص، عن المعنى الحقيقي لتنام ليلاً وقلبكَ يملؤهُ الرضا عن نفسك.

كان الشَغف في أعينهم يزيدُني شغفاً، كانت أحلامُهم تزيدني أحلاماً، وكنتُ أستقي من طموحاتهم طموحاتٍ أكبر، وكنتُ أنمو على أيديهم سنةً بعد سنة.

إن الحديث عن بيئات العمل، المستقبل، الدراسات العُليا، النمو الوظيفي وما إلى ذلك، يوقظ فيّ ذلك الصوت "لم نعد صغارا!" بل كبرنا، ولو أن الأمر كان أبطء مما تصورنا، ولم يكن أبداً سهلاً، لكنِّ فعلتُها.

إلى نبراس: رفيق الحياة، الدرب الطويل ومشروع التخرج، لقد كان وقعُ الأمرُ في قلبي أعمق مما تتصوّر، فريقي المُفضل للعملِ المُفضل ولكل الأعمال، إلى خُطانا سوياً جنباً إلى جنب، إلى أحلامنا مهما كبرت، إلى الشَّغف في عيناك، لقد كان وجودك معي خلال هذهِ السنين هو الحدث الأهمُّ في قلبي و حُلمي.

إلى زينب: رفيقة السنين الأربعة، رفيقة التعبِّ والجهد الذي انقضى، إلى ضحكتكِ البلورية، إلى عينيكِ البريئة، إليكِ عندما يضحكُ ثغركِ في قلبي ألفُ ضحكةٍ وضحكة، من المحزنِ جداً ألا أعرف وجهتكِ الآن.

إلى شغف ومؤشرات: رفاقِ الأحلام والشغف.

إلى الثَّاري: رفيقة المسافات البعيدة، اللقاءات المُنعدمة، والرسائل المُتقطعة، لقد ظلَّ حديثك في قلبي موشوماً ما حييت، إلى رفقتكِ في هذا الطريق، الرفقةُ الأمثل، لم يكن الأمرُ كما بدأناهُ أبداً، إنه أعمقُ حتى من وصفهِ.
إلى كل رفاق التخصص البعيدين جداً (الصافي، غدير، هديل، عائش.. و آخرين): لهذا الطريق لذته، لهذا الدرب نورهُ وشغفه الذي لا يُوصف، عيشوه بشغف، هذا الأمرُ سينقضي حتماً.

كان الأمرُ سعيداً صباحاً، وأصبح حزيناً ليلاً، كل المشاعرِ مهتزة، متذبذبة، لا تعرفُ وجهتها حتماً لكنّ مشحونةً بالأحلام والشغف، لن تنتهي أبداً، هي بداية لكل شيء سيصبحُ أجمل، عندما كنا طلابا كانت الحياة زهرية، سيكون هذا الدرب أزهر!

رفاقي: دخلتُ اليوم للمرةِ الأخيرة كطالبة، وخرجتُ وأنا أخصائية مُختبر.

-         خمسُ سنينٍ في دراستي ولّت وانقضت "وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُلِلهِ رَبِّ الْعَالَمِين" 


*مُمتنة لكل الدعوات والتهاني و الصلوات " اللهم استجب" ، وممتنة لكل الدعواتِ المخبئة في الأحضان.

اللهم علمني ودُلّني للصواب، أرشدني حتى أفهمُ وأنتفع، حتى لا يموتُ بين يديّ مريضٌ فأموتُ بعده، دلني لليقينِ حتى أنامُ مطمئناً.

تمت.

الجمعة، 6 أكتوبر 2017

معطفٌ أبيض 6 - تخرّج



كانت السنون أسرع من رمشة العين، لم تكنْ ثقيلةً كما هيَ الآن، و لم نشعر بها حتى وسطَ ضحكات الأصدقاء في عمقِ أحلامهم

كان كل شيء ساكنٌ لا يتحرّك، و كانت الأقلام وحدها تصدرُ ذلك الضجيج المزعج، و الأوراق التي تُقلّب أشبهُ بصوتِ الريح، كان المشهد صامتاً لا يتحرك أبداً

لقد كنتُ مهووسةٌ بالمختبر طوال فترة دراستي، إنه المكان الأكثر سكينةً في حياتي مهما بلغَ ضجيجه، إن دخولي إليهِ أشبهُ بالمضيْ قدماً نحو الحياةِ مرةً أخرى، في كل مرةٍ دون يأس

لقد مَضت هذه السنون وكما يقولون تمضي ولم تشعر بها، لكنِّ شعرت
أحسست بكلِ يومٍ هناك، بكل لحظة، كل محاضرة، و كل ساعةٍ في المختبر، لقدْ شعرتُ حتى عندما كنتُ أشبهُ الموتى كنت أشعرُ به

أحسستُ بكل الأيام التي مرّت ثقيلةً عليّ أحسبُ فيها يومَ الخلاص، و أحسست بكل الأيام الخفيفة التي لم أرد أن تمضي أبداً

إن الشُّعور مختلف، لم أجد الراحة التي قالوا عنها عندما كنتُ طالبة مدرسة "دخولك للكلية سيريحك"، لكنِّ وجدتُ الشَّغف، وجدتُ حباً عظيماً و حُلماً أعظم

وجدتُ أحلام السنين في تقاسيمِ الوجوه، و أمنياتٌ طويلةٌ تمتد، تحاكُ في اليومِ ألف مرة، ويعادُ ترتيب خيوطها في اليوم الذي بعده، إن الدراسة بشغف أشبهُ بكومةِ صوف، تدور وتدورُ وتدور، لكنها لا تنتهي عند نقطةِ نهايةٍ أبداً، كما أنك أيضاً لا تستطيع العثور على النهايةِ فيها

لقد كبرتُ كثيراً، و أصبحتْ عادة الصباح أن يكون المعطف الأبيض على يميني و قد طُبع في نهايته اسمي، أو رقمي الجامعي حتى أستطيع تمييزه من بين مئات المعاطف هناك، لكنِّ أعرفه، و حتى إن تشابهت كلها، أعرف ذاكَ المعطف، الحلم الذي أرتديه كل يوم، أستطيع تمييزه في كلِّ حين حتى وأنا مغمضةُ العينين

تلكَ المرة التي فقدتُ فيها معطفي، لم أستطع أن أعرفهُ فيها، كان ذلك المشهد الأكثرُ حزناً وسط ضجيج أحلامي، كان الأمرُ مزعجاً كأني فقدتُ الشغف حتى، و كان الأمرُ أيضاً يضيقُ بخاطري وكأني أصبحتُ لا أطيقُ صبراً حتى الخلاص، حتى أنني قلتُ أن الأمر لم يعد يهمني، لكنه كان مهماً.

حينما وجدته أدركتُ أن الحلمَ في قلبي ليس في المعطف، أن الحلم يسري بداخلي ليس بمجردِ معطفٍ أبيض، أو بطاقةُ زرقاء بها تصريحُ أنني ذاتُ معطفٍ أبيض، و أن الشغفَ باقٍ فيّ آبداً لا في أي شيء آخر

لقد مضت السنون .. ها أنا أعود الآن للمرةِ الأخيرة، للمرةِ التي سيأتي الخلاصُ نهائياً دون رجعةِ أبداً، و أني أخافُ أيضاً أن يقلقني الحنين

معطفٌ أبيض للمرةِ الأخيرة، يكادُ لا يتسخُ من الخفة، ويكادُ لا يتسعُ لحلمي و هو يحيك مشروع التخرج، أشبهُ بالأمنية التي طال انتظارها! أشبهُ بكل الأحلام التي أتوق إليها .. أو نتوق إليها معاً

إن المضيْ في البحثِ و التحقيقِ و الترقب لهُ شعوره، وإن حسبة الأيام للخلاصِ من هناك لها شعورها، و إن ترّقب التخرج لأمرُ مقلقُ و مفرح

قد قلتُ ذاتَ مرة، إن الحياة قد تبدأ مرةً أخرى في لحظةِ تخرجك، وأنا أعي ذلكَ يقيناً. ستبدأ الحياةُ مرةً أخرى، بعيداً عن كل شيء، عن المختبر الدراسيّ إلى الحياةِ الحقيقية في مختبرٍ ما